آراء

د. حسام الإمام يكتب: ست البنات

5-12-2021 | 11:47

الحكاية ليست غريبة، ومن المؤكد أن هناك ما هو أغرب وأعجب منها ألف مرة، أن ترى شخصًا فى مكان لا يناسب مؤهلاته هو أمر "عادى" جدًا، وربما يكون الأمر غير الطبيعي والمثير للدهشة أن نتحدث عن ذلك.

ما أكثر حاملى المؤهلات الذين يعملون فى مهنات ليست لها أى علاقة بمؤهلاتهم، ورغم ذلك حققوا فيها نجاحات كبيرة، رأيت خريج الهندسة يتركها لقلة الدخل ويعمل مع والده فى صناعة آلة العود التى تعلمها منه منذ الصغر، لكنه دخل الهندسة إرضاءً لوالديه، وهذا خريج الطب يدرس الإدارة ويصرف النظر تمامًا عن العمل بالطب.

أعرف خريج الحقوق الذى يعمل بالتجارة، وخريج الآداب الذى تتخاطفه الدول العربية لكونه مدربًا رياضيًا متميزًا، وخريج التربية الرياضية يدير محلًا تجاريًا.

الواقع يثبت دومًا أن النجاح لا يتعلق بالتخصص ولا بالتفوق أثناء الدراسة، أيضًا العمل فى أى مجال مهما كان ليس عيبًا، العيب أن يعيش الإنسان بدون عمل، لكن فرق كبير بين أن أفعل ذلك بإرادتى وأن أفعله غصبًا عنى، أن أتخرج من الجامعة ثم أختار العمل الحر بإرادتى أمر يختلف كثيرًا عن فعلها غصبًا عنى لانعدام البديل المناسب.

على أية حال فقد استوقفتنى تلك الحالة، فتاة متوسطة العمر لم تبلغ الثلاثين، تعمل فى وظيفة خدمات معاونة، تقدم المشروبات لزملائها فى العمل وتنقل الأوراق من مكتب إلى آخر.. "عادي".. عمل شريف.. المفارقة تحدث رغمًا عنك عندما تعلم "بالصدفة" أنها حاصلة على بكالوريوس خدمة اجتماعية، هى لا تخبر أحدًا بذلك ولا تشير إليه من قريب أو بعيد.

عندما علمت سألتها: "إنتي فعلًا معاكي بكالوريوس"، قالت بمنتهى البساطة وبابتسامتها الرقيقة: "نعم"، ألم تحاولي الحصول على فرصة عمل أفضل؟ قالت: "طبعًا حاولت، لكن الحمد لله على كل حال". وأخبرتني أنها عملت فى مدرسة خاصة، لكن الراتب كان لا يتناسب مع الجهد، ولم يكن يكفي لسد حاجات أسرتها التي تعولها وحدها، لغياب الزوج.

"الحمد لله على كل حال"، كثيرون يقولونها، وتشعر فى نبرتهم بالاستسلام والضعف وعدم الرغبة أو ربما عدم القدرة على فعل ما هو أفضل من ذلك، قد لا تتعاطف كثيرًا مع هؤلاء، وتشعر أن تعليمه من البداية كان خطوة فى غير محلها، كان يمكن توجيه كل هذا الجهد إلى مجال العمل، فتزداد خبرته وإتقانه لحرفة معينة، يقيني أن التعليم العالي ليس شرطًا لازمًا للشخص، التعليم الأساسي فقط هو القدر الواجب توفيره لكل فرد ليتمكن من التعامل مع الواقع المحيط به بقدر من الوعي والمعرفة، أما الزيادة في التعلم فلابد وأن تكون بناء على خطة وهدف.

تحاورنا فى أمر تلك الفتاة، فسر البعض حالتها بأن هناك من يدخلون الجامعة لكن لا يكون لديهم طموح معين، فيقبلون الوضع أيًا كان ولا تكون عندهم مشكلة تجاه الأمر، وقلت إن من ذهبت إلى الجامعة ورأت زملاءها يرتدون أفخر الثياب وربما يقتنون السيارات الفارهة، لكنهم في النهاية زملاء يتعاملون معاملة الأنداد، يتنادون بأسمائهم دون ألقاب، وربما لجأوا إليها أحيانًا لتشرح لهم ما استعصى عليهم فهمه من المواد العلمية التي يدرسونها، وربما كان تقديرها أفضل منهم.. ربما وربما أشياء كثيرة.. قد تكون إحداهن الآن مديرتها فى العمل، أو حتى مجرد موظفة فى نفس المكان، ويكون عليها كل يوم أن تحمل إليها الشاى والقهوة ولا تستطيع أن تناديها باسمها أمام باقى الزملاء، بل يجب عليها أن تقول اتفضلى بكل أدب.

وقد تكون إحداهن على درجة من "النفسنة" فتتعمد إحراجها بعبارة بسيطة "خلى الباقى علشانك"، زميلة أخرى تطاردها صورتها الغبية البلهاء وهى تلهث خلف تلك الفتاة أثناء الدراسة لتحصل على كشكول محاضراتها، قد يكون كل ذلك فى بالها لم يذهب هباءً فتتعمد التنمر بها وجرحها أمام الآخرين.

لماذا نتصور أن تلك الأمور لم ولن تخطر ببالها؟ لماذا لا نضع فى اعتبارنا أن زملائها فى الجامعة - حتى المحترمين الذين سوف يقابلونها بحب وترحيب - لن يمكنها أن تناديهم بأسمائهم أمام الآخرين، فى حين مباح لهم أن يقولوا لها: أنا عايزة قهوة.. إيه ده؟الشاى ناقص سكر.. ما صورتيش الورق ليه أنا مستعجل؟.. إلى آخره من الأمور التى لابد وأن تفرضها طبيعة الأمر.. وهى راضية، مبتسمة دومًا، تلك الابتسامة المميزة، التى أراها كذلك، أخبرتنى أنها تختنق أحيانًا لكنها تعود سريعًا لتحمد ربها حمدًا كثيرًا على نعمة الصحة والستر، لذلك أراها "ست البنات" فعلًا.

ليست كل فتاة قادرة على مواجهة تلك الظروف بهذا الاستقرار والرضاء النفسى والعقلى، واليقين بأن كل ما يأتى به الله خير، ليست كل فتاة قادرة مثلها على أن تقول "الحمد لله" بهذا القدر من الصفاء والارتياح القلبى لمعنى الكلمة، تدور بها طاحونة الحياة كل يوم، وترضى بالخروج منها بنعمة الصحة والستر لها ولأسرتها، وتحمد الله على ذلك وترجو دوام تلك النعمة.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل (2) .. تحت القطار

ليس من سمع كمن رأى، ولا من رأى كمن عاش التجربة بتفاصيلها، أن نرى على شاشة التليفزيون شخصاً يرقد تحت القطار محتضناً ابنته لينقذها، أو هذا الذي يسقط وهو يحاول اللحاق بالقطار للذهاب إلى عمله

د. حسام الإمام يكتب: حدث بالفعل.. الطيارة تغرق (1)

أقلعت الطائرة من مطار دبي متجهةً إلى مطار سيدني فى أستراليا، سعادة لا توصف، فهى المرة الأولى التى أزور فيها أستراليا، ويحتمل جداً أن تكون الأخيرة

د. حسام الإمام يكتب: كل النساء جميلات

يعتبر جمال المرأة من الأمور التى قد لا يدرك البعض حقيقتها، ولولا ذلك ما سمعنا أحدًا يقول هذه امرأة جميلة، وتلك قبيحة، لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق كل النساء - فى رأيى - جميلات.

د. حسام الإمام يكتب: أيوه .. أنا نجمي خفيف

تلقى فى أحد الأيام رسالة من أحد رؤسائه مضمونها الشغل زى الزفت، كل حاجة ملخبطة ، اعتدل فى جلسته وظل يقرأ تلك الرسالة القصيرة عدة مرات ولا يصدق ما يراه.

د. حسام الإمام يكتب: محمد صلاح .. "لا سحر ولا شعوذة"

الجميع يتحدثون عن محمد صلاح، العالم كله يتغنى باسمه.. لماذا؟.. لماذا لا يكون كل ما حققه قد جاء على سبيل الصدفة والحظ أو ربما السحر والشعوذة؟

د. حسام الإمام يكتب: قبل ما تناسب حاسب

لم يكن من الصعب عليها فهم ما يحدث، لكن كان من المستحيل تصديقه، قد يكون الإنسان طماعاً أو نصاباً يتاجر بالكلمات، لكن أن يتاجر بأحاسيسه ومشاعره، هذا الصنف

د. حسام الإمام يكتب: الإدارة بالابتسامة

ليس حلمًا بل واقع عشت تفاصيله يومًا بيوم ، أصابني الذهول في بداية اللقاء، وصاحبني التعجب والترقب خلال الرحلة حتى وجدتني أندرج تلقائيًا في تلك المنظومة،

د. حسام الإمام يكتب: انزل من فوق الحصان

عبارة جديدة فى قاموس الفهلوة والحداقة والشطارة المعجونة مع بعض الجرامات من فلسفة سيبلي نفسك وأنا أرسيك على الحوار ، مضافًا إليها قدر كافِ من رحيق الانهزامية

د. حسام الإمام يكتب: خليك بعيد

رغم صدق أحلام زينب معي دومًا، لكنني لم آخذها ولا مرة واحدة مأخذ اليقين، بل أسمعها وأقول خيرًا إن شاء الله، ولا أعيد صياغة خططي وخطواتي بناء على الحلم.

أحب ما تعمل "حتى" تعمل ما تحب

ارتبطت كلمة حتى في أذهان الكثيرين بالرائع صلاح ذو الفقار وهو يتحدث إلى البرنس أحمد مظهر في فيلم الأيدي الناعمة ويقول: أكلت السمكة حتى ذيلها.. بالك انت حتى هنا ليها كام معنى؟

لما تكبر نفسك تبقى إيه؟

مش عارف، بجد مش عارف كان نفسى لما أكبر أبقى إيه ممكن أقولك أبويا وأمى كان نفسهم لما أكبر أبقى إيه، لكن أنا شخصيًا كان نفسى أبقى إيه .. مش عارف. دايمًا

ساقط توجيهية وسمسار وقباني.. وبالعكس

يبقى الباز أفندي ويافطة الباز أفندي في فيلم ابن حميدو، المشهد الرئيسي الذي يجب أن ينحني أمامه عالم النكتة، وتتضاءل بجانبه كل الإيفيهات في كل زمان ومكان، دون أي مبالغة.

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة