آراء

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: طوق النجاة من الكابوس

1-12-2021 | 11:22

كلما تصور العالم أنه يقترب، ولو قليلا، من فهم ماهية وأسرار وألغاز فيروس كورونا، الذى يفتك بالبشرية بلا هوادة، منذ أكثر من عامين، يتلقى ضربة موجعة تزيد من ارتباكه وحيرته اللامتناهية، متمثلة فى حدوث تحورات وطفرات مخيفة ومفزعة، كما حدث أخيرا بظهور المتحور" أوميكرون"، الذى قاد لارتفاع منسوب الهلع الدولى من كابوس كورونا وما سيتمخض عنه فى مقبل الأيام، وكيف سيواجهه ويُحاصره في زاوية ضيقة.

ويبدو أنه سيتعين على سكان كوكب الأرض التعايش والتكيف مع " رعب كورونا " مجبرين صاغرين لبعض الوقت، لا يدرى أحد منا هل سيُقصر أم سيُطول، لكن المؤكد أنه سيظل بيننا شئنا أم أبينا، وأن معركتنا معه بعيدة عن نهايتها.

وذلك ليس تشاؤمًا ولا يأسًا، ولا نشرًا للخوف، إنما إقرار لواقع معيش ومحسوس يلزمه فطنة وجهد جبار خارق من الجميع دون استثناء، لكى يخرج عالمنا من صراعه المرهق والمضنى مع كورونا رافعًا راية النصر، ولو بعد حين، ويلتقط أنفاسه اللاهثة خلف البحث عن لقاح ناجع يقضى عليه قضاء مبرمًا، وتعود حياتنا إلى طبيعتها، ويتحرك البشر بلا وجل ولا خشية من الإصابة بفيروس لا يرحم صغيرًا أو كبيرًا في طريقه.

هى حرب بقاء إذن، نعم إنها كذلك، وأزيدك أن الغلبة فيها ستصبح مشروطة بأمرين، الأول إحداث تغيير لا فكاك منه في بنية وأسس النظام الدولى القائم وأولوياته المستقبلية، بحيث يحتل "الأمن الصحى" المكانة المستحقة والمتقدمة على سلم هذه الأولويات.

فالنظام العالمى حتى الآن، على الرغم من تفشى جائحة كورونا، لا يزال سجينًا وأسيرًا للمفاهيم التقليدية للصراعات، مثل مواضع النفوذ والسيطرة، وتكديس ترسانات الأسلحة بمزيد من أدوات واختراعات الدمار الفتاكة، والحد من الانتشار النووي خارج نادى القوى الخمس الكبرى المحتكرة للأسلحة والتكنولوجيا النووية، والتنافس على المقدرات الاقتصادية والموارد الطبيعية، لا سيما مصادر الطاقة، والصراع بين الكبار على الفضاء الخارجى ببناء محطات دائمة فيه، وإطلاق أقمار صناعية ترصد كل ما يدور من حولنا وفوقنا.

تلك هي الأولويات المقدمة على ما سواها، ومع وجود كورونا الذى حطم الأنظمة الصحية في أقوى وأعتى الدول التى كانت تتباهى وتفاخر ـ ما قبل كورونا ـ بما حققته من اختراقات علمية وطبية رفيعة، ومستشفيات على أعلى مستوى من التجهيزات والتقنيات، كلها وقعت صريعة للفيروس ولم تقو أنظمتها على الصمود في وجهه، واستغاثت الدولة تلو الأخرى لنجدتها ومساعدتها بإرسال أطقم ومعدات طبية.

سيقولون إن العالم تنبه لذلك، واتخذ تدابير لمعالجة سلبيات أنظمته الطبية المنهارة، وسارعت كبريات شركات الأدوية لإنتاج لقاحات أسهمت فى التقليل من الإصابات والوفيات بكورونا، وهذا صحيح إلى حد ما، لكننا نعلم جميعا أنه لم تكن هناك عدالة فى توزيع هذه اللقاحات، وطغى الشق التجارى وحسابات الربح والخسارة على تحركات ومواقف العديد من الشركات العملاقة العاملة والمحتكرة لهذا القطاع الحيوى.

ومن مجمل ما نراه ونتابعه، حتى هذه اللحظة، فإن الأمن الصحى لم يتبوأ بعد مكانته الجديرة به، رغم تخصيص مليارات الدولارات للقاحات وغيرها من إجراءات مكافحة كورونا، ويجب إعادة صياغة وهندسة موازنات الدول بحيث تخصص أموال أكثر للبحث العلمى، والدراسات المتعلقة بالفيروسات، وتحديث البنية التحتية للمستشفيات والنظام الطبي برمته، وتدريب الكوادر والطواقم المتخصصة.

ونأمل أن تنسحب حصيلة ذلك كله على تفكير وتوجهات القوى العظمى المتحكمة والموجهة لعقل وجسد النظام الدولى، لأنه لا توجد ضمانات كافية وملموسة لعدم تكرار كوارث مماثلة لكورونا مستقبلا تتسبب في شل الحركة وتقطيع الأوصال بين البلدان، وإغلاق أبوابها بالضبة والمفتاح، وخسائر اقتصادية مهولة، والضمانة الحقيقية والعملية ستكون فى الالتفات للأمن الصحى.

الأمر الثانى: أن تعكف المؤسسات والمنظمات العالمية على إعداد اتفاقية دولية جديدة وشاملة للتصدى للأوبئة على كوكبنا، فتجربة كورونا أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه لا تستطيع دولة بمفردها، مهما كانت قدراتها وإمكاناتها، أن تصمد بثبات وقوة في مواجهتها، وأنه لا مناص من التعاون بين مكونات المجتمع الدولى لبلوغ شاطئ الأمان والسلامة، فالخطر يُحلق فوق رؤوس الجميع.

ولن يتأتى ذلك إلا بخروج هذه الاتفاقية إلى النور، ويجب عقد مؤتمر عالمى جامع للتوافق على بنودها وأساسياتها، وألا تكون محكومة ومرهونة بالخلافات والنزاعات والصراعات الناشبة بين الدول، وأن تصبح الاعتبارات الإنسانية، والاعتقاد بأن الكل يستقل السفينة نفسها هى الأساس والمحرك والدافع خلف جهودهم، وأن تدار الأمور بشفافية وتجرد تامين، مع التسليم بصعوبة التزام كثير من الدول بالشفافية والتجرد، وأبلغ دليل أننا لم نعرف بعد من أين أتى كورونا، وكيف استشرى واستفحل أمره؟

والاتفاقية المأمولة لابد أن تبتعد كلية عن سياسة العقاب غير المدروس لمَن يُخالفنا الرأي، أو ليس على هوانا سياسيًا، وأن يستعيد القائمون على تسيير دفة الشئون الدولية قدرًا بسيطًا من الإحساس الإنسانى عند رسم وتحديد إحداثيات خططهم وصفقاتهم، حتى لا نضطر في كل مرة يلوح فيها كورونا بطفراته المستجدة للصياح بهستيريا " أغلقوا الأبواب"

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: رد الاعتبار

منذ أن تولى الرئيس السيسي المسئولية، حرص وبشكل واضح على تأكيد وترسيخ سلسلة حميدة ورائعة من المبادئ والقيم، التي طالما افتقدناها وتقنا إليها، خلال عهود سابقة

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: ترند المتطرفين

من أثقل الأمور وأكثرها سخفًا، والتي تشكل عبئًا وعائقًا رهيبًا، أمام مجتمعنا والمجتمعات الإسلامية قاطبة، الاضطرار لإضاعة وقت ثمين وإهداره في مناقشة بديهيات دينية

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: وسط البلد

أصارحكم القول بأن الغبطة والسعادة الغامرة تملآني، كلما مررت، أو تجولت مترجلًا في وسط البلد، ومبعث سعادتي، هو ذلك الجهد الجبار الذي تقوم به الدولة وأجهزتها

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: حكاية مريم

بطلتنا إنسانة رائعة في كل ما يتعلق بها من تفاصيل ومواقف، وصاحبة سجايا ومميزات أضحت في أعراف وأذهان الكثيرين من العملات النادرة، التي يصعب العثور عليها

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: أخلاق الملائكة

شاهدتُ مقطع فيديو بديعًا وراقيًا للإذاعية الرائدة الراحلة صفية المهندس ، وكانت تتحدث فيه بزهو وفخر عن أبيها الأستاذ زكى المهندس ، وكيف كان عفيف اللسان،

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: قرار شجاع

فور صدور أي قرار مهم، تتجه الأنظار تلقائيًا تجاه ما يحمله فى طياته وثناياه منِ مكاسب وتبعات آنية ومستقبلية، فما بالك إن كان القرار تاريخيًا، مثل الذى أعلنه

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: مشروع "مو صلاح"

يكفي أن تتأمل بتأنٍ الصورة الأخيرة للموهوب محمد صلاح، مع الأمير البريطاني ويليام وقرينته كيت في قصر باكنجهام ، وبعدها ضعها تحت مجهر الفحص والتحليل

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: جريمة لا تغتفر

اعتصرني الألم وهالني ما رأيته في ميدان المساحة بحي الدقي العريق من بلدوزرات تزيل الحديقة الصغيرة الكائنة وسطه، والتي باتت أثرًا بعد عين، ومَن عاش في هذه

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: رسالة بعلم الوصول

باختياره شخصية غير سياسية، لتصبح أول سيدة تشغل رئاسة الوزراء في بلاده وفي الوطن العربي عموما، بعث الرئيس التونسي قيس سعيد، برسالة بعلم الوصول إلى النخب

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: ثلاثية أفغانستان القاتلة

إذن فقد استتب الأمر لحركة طالبان الأفغانية، بعدما سقطت الولاية تلو الأخرى في قبضتها بسرعة البرق، إلى أن فازت بدرة التاج، العاصمة كابول، التي سيدخلونها

تونس بلا إخوان

ثار التونسيون وانتفضوا على قلب رجل واحد، لإزاحة الغم والهم الجاثم فوق صدورهم، منذ خمس سنوات، عندما أحكم حزب النهضة الإخواني قبضته الغاشمة على مقاليد الحكم

أسئلة 3 يوليو الإجبارية

خذ نفسًا عميقًا، وصفِ ذهنك من أي شواغل، وانظر مليًا إلى ما حققته الدولة المصرية من إنجاز إستراتيجي غير مسبوق بتشييدها ثلاث قواعد عسكرية ضخمة، خلال أربع

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة