الرأى

الأمريكان وطالبان

30-11-2021 | 17:04
الأمريكان وطالبانالأمريكان وطالبان

 

مصطفى حمزة

تختلف إستراتيجيات الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع الجماعات الإرهابية حسب كل جماعة على حدة، بما يحقق مصلحتها في النهاية، فهناك إستراتيجية القبض على أو قتل قادة التنظيمات للقضاء عليها، وهناك إستراتيجية التفاوض مع مجموعة من التنظيم، أو الدخول في عملية سياسية مع قادة هذا التنظيم، لأهداف مصلحية لأمريكا، وهناك إستراتيجية فقد التنظيم للتأييد الشعبي، وتتم بتوظيف وسائل الإعلام لشيطنة التنظيم المستهدف، وهناك إستراتيجية القوة الغاشمة "القمع العسكري" في مواجهة التنظيم، واستراتيجية تغيير أهداف التنظيمات الإرهابية، مثل تحويلها من حركة إرهابية إلى مجموعات تمرد أو إشغالها بالحرب الأهلية، إلى غير ذلك.

الإشكالية الأكبر في هذه الاستراتيجيات هي استراتيجية التفاوض، لأن المقولة الشائعة التي أوشكت أن تكون قاعدة تقول "لا تفاوض مع الإرهابيين"، وهو ما لم تلتزم به أمريكا في تفاوضها مع حركة طالبان، التي زعمت أنها كانت تحاربها على مدى 20 عامًا، وتتذرع في ذلك بالآراء التي تعتبر التفاوض أداة استراتيجية قوية لإدارة العنف الموجود لدى التنظيمات الإرهابية، ومن ثم تهميشها أو إضعافها أو القضاء عليها إن أمكن، ولو على المدى الطويل، وهي أحد الأساليب التي تلجأ إليها بعض أجهزة الاستخبارات.

فبعد أن كانت الولايات المتحدة تتبنى استراتيجة محاربة الإرهاب الطالباني من خلال الخيار العسكري ونزع السلاح من التنظيمات الإرهابية ودعم الحكومة الأفغانية بقيادة حامد كرزاي خلال إدارة جورج دبليو بوش، وحشد الحلفاء في إطار ما عرف بالحرب العالمية على الإرهاب، تحولت إلى استراتيجية التفاوض مع الحركة الإرهابية ذاتها، مما يعكس فشل استراتيجيتها الأولى المعتمدة على الارتباط الأمريكي بالحكومة الأفغانية التي كان من المفترض أن تحارب طالبان بالوكالة عن أمريكا، وبدعم كامل منها.

ولم تكن أمريكا تعلم أن الشركاء المحليين المتمثلين في الحكومة الأفغانية لا يعنيهم القضاء على حركة طالبان الإرهابية، بل كانوا يرغبون في بقائها؛ ليضمنوا استمرار الدعم الأمريكي لحكومتهم، ولكن مع إضعاف الحركة أو تجميد أنشطتها، لذا لم يشهد العالم حادثًا مثل 11 سبتمبر طوال العشرين عامًا الماضية.

بداية التفاوض الأمريكي مع طالبان كانت في نهاية حقبة بوش الأب، حينما سمح الملا بردار نائب الملا عمر عام 2008 لعناصر الحركة بمقابلة مسئولين بالحكومة الأفغانية تحت إشراف سعودي، إلا أن هذه المقابلات التفاوضية توقفت عام 2010، اعتراضًا على إلقاء القوات الباكستانية القبض على الملا بردار، ثم عاد التفاوض مرة أخرى نهاية عام 2011 واستمر لمدة شهور ثم توقف؛ ليعود مرة أخرى في 2013، بوساطة قطر، وتوقفت هذه الجولة أيضًا قبل أن تبدأ؛ لتتجدد مرة أخرى في فبراير 2015، بوساطة قطرية باكستانية، وبالتزامن مع وصول أشرف غني للسلطة، وفشلت بسبب المبالغة في مطالب الطرفين وكذلك وفاة الملا عمر، ويبدو أن كلا الطرفين يجيد فن التفاوض، ويسعى لتحقيق أكبر مكاسب له قبل غيره.

عادت المفاوضات الأمريكية الطالبانية على مستوى عالٍ ومباشر في قطر يوليو 2018، وتخللها توقف 3 أشهر فقط، نجحت الجولات في تخفيض العنف الطالباني ضد الدولة بنسبة 80%، حتى وقع الطرفان اتفاق 29 فبراير 2020، والذي يقضي بانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان خلال 14 شهراً، حتى أبريل 2021، إلى جانب بنود أخرى.

وكان هدف هذا التحول الأمريكي لاستراتيجية التفاوض مع طالبان هو الحفاظ على الدولة الأفغانية وإنهاء الصراع هناك، ولكن السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه: هل هذا الهدف تحقق خلال الأشهر القليلة الماضية، أو هل من المأمول أن يتحقق في المستقبل القريب، بعدما وصل قادة الحركة "الإرهابية" إلى قصر الرئاسة، دون دماء، وسيطروا على مفاصل الدولة الأفغانية، في ظل هروب الرئيس السابق، وضعف الجيش، وبدأ مسلسل أدلجة القوات المسلحة وإعادة هيكلة الألوية المختلفة داخله.

الكثير من قادة وزعماء دول العالم يعتقد بما كان يردده الرئيس السادات رحمه الله "إن 90% من أوراق اللعبة بيد الأمريكان، ولكنهم ينسون مع ذلك أن "المتغطي بالأمريكان عريان" وأن أمريكا لا يهمها اللعبة ولا اللاعبون السياسيون في هذا الملعب، وإنما يهمها مصلحتها فقط، وأن الأمريكان إذا دخلوا دولة أفسدوها وجعلوا أعزة قومها أذلة".

وما نستطيع قوله إن أمريكا تستثمر خسارتها في أفغانستان بأكبر قدر ممكن، فهي التي تسببت فيما آلت إليه أفغانستان بعد 20 عامًا، وهي التي مهدت لطالبان طريقًا مفروشًا بالتأييد للوصول للقصر الرئاسي دون دماء.

أمريكا أنفقت ما يقارب 978 مليار دولار لمحاربة طالبان ولم تتخلص من قادة الحركة، على الرغم من أن عشر هذا المبلغ لو تم إنفاقه على عدد القادة الطالبانيين لتخلص العالم منهم ولم تعد أفغانستان لقبضة المتطرفين مرة أخرى بهذه السهولة.

باحث في الإرهاب الدولي

[email protected]

تابعونا على
اقرأ أيضًا:
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة