آراء

محمد الشاذلي يكتب: قضية المياه العربية

1-12-2021 | 14:59

تتعقد قضية المياه في الدول العربية بشكل يدعو إلى القلق، والتعقيدات التي تغذيها دول الجوار العربي هائلة من تركيا مع كل من العراق وسوريا، وإسرائيل مع الأردن، وإثيوبيا ضد مصر والسودان، وقبل نحو أسبوعين التأمت بمقر جامعة الدول العربية في القاهرة أعمال الدورة (13) للمجلس الوزاري العربي للمياه، لمناقشة الخطة التنفيذية لإستراتيجية الأمن المائي العربي.

 ودعا الأمين العام للجامعة أحمد أبوالغيط إلى الانتباه وبذل مزيد من الجهد في بناء السياسات المائية العربية، واستغلال فرصة عقد قمة المناخ لعام 2022 في مصر، وكذلك احتمالية عقد القمة التالية لعام 2023 في الإمارات، لتسليط الضوء على القضايا البيئية العربية، ومنها الوضع المائي العربي بكل تعقيداته..

ورغم وضوح الأرقام المخيفة لندرة المياه العربية، وزحف التصحر، واستمرار مواسم الجفاف لفترات أطول، وتراجع المعدلات السنوية لهطول الأمطار، وجفاف بعض الأنهار، وتراجع كميات المياه الجوفية غير المتجددة، فإن السياسات المائية العربية الجماعية غير واضحة المعالم، ولا تشكل نقطة المياه فرقًا كبيرًا أو أهمية تذكر في المعاهدات السياسية والاقتصادية مع دول الجوار المائي للعالم العربي. 

ولم نسمع عن اتفاقيات تعاون واستثمارات وضعت الموقف المائي في الاعتبار، بينما كان ينبغي الحديث أو توقيع مذكرات تفاهم وآليات في الاتفاقات العربية مع تركيا مثلا، تلزم حكومتها بالوضع بعين الاعتبار حصة العراق وسوريا في نهري دجلة والفرات، كما لم نعرف استثمارات عربية في إثيوبيا اشترطت حل أزمة سد النهضة مع دولتين عربيتين شقيقتين، هما مصر والسودان.

والموقف التركي التاريخي حتى قبل حكومة أردوغان في أنقرة هو بناء المزيد من السدود لتخزين المياه وحرمان العراق وسوريا منها إلا بمقدار ضئيل، بهدف التوصل في النهاية إلى تسليع هذه المياه.

وموقف الخارجية التركية منذ سنوات طويلة، يتلخص في أن النفط والمياه ثروات طبيعية، وأن العراق لا تقدم نفطها مجانًا إلى تركيا!!

وهذه مغالطة كبرى، لأن النفط لم يكن يجري شمالا إلى تركيا ومنعته العراق أو وضعت أمامه عراقيل، فيما المياه تجري جنوبًا منذ قرون سحيقة، وقامت تركيا ذات التخمة المائية ببناء عشرات السدود على الفرات ودجلة من دون تشاور مع دولتي المصب، سوريا والعراق، برغم وجود اتفاقيات بين ثلاثتهم.

والمثير للاستفزاز ما أعلنه الرئيس أردوغان في مراسم تفعيل أول توربين من أصل ستة توربينات في المحطة الكهرومائية على سد "إليسو"، أن بلاده كانت تملك 276 سدًا حتى عام 2002 وارتفع العدد إلى 585 في غضون السنوات الـ 18 الماضية (منذ تولي حزب العدالة والتنمية)، ووعد بافتتاح 17 سدًا إضافيًا، يفصل بين افتتاح كل منهم شهر أو أقل من ذلك.

والأمر نفسه تراوغنا فيه إثيوبيا، وهي التي تشيد المزيد من السدود وآخرها سد النهضة، لكي تتحكم أو تحاول التحكم في دولتي المصب، وليس لتوليد الكهرباء، وصولا إلى هدفها النهائي في تسليع المياه، أو مقايضاتها، ولا تعترف إثيوبيا باتفاقيات سابقة وصفتها بأنها نتاج الحقبة الاستعمارية، كما لا تريد اتفاقيات جديدة ملزمة.

والآن بدأنا نسمع عن مصطلح "الكهربا مقابل الماء" الذي يتردد في الأردن، بعد توقيع اتفاقية تصدر عن طريقها الأردن الكهرباء إلى إسرائيل في مقابل المياه المحلاة، وإن كان هناك اختلاف بسيط لأن المياه الإسرائيلية ليست مياه نهر، وإنما مياه تحلية.

وكانت الأردن وقعت في شهر أكتوبر الماضي اتفاقًا لشراء 50 مليون متر مكعب إضافية من اسرائيل، إضافة إلى ما هو منصوص عليه في اتفاقية السلام فيما بينهما سنة 1994.

وفي أوقات سابقة كان نهر الأردن يحمل الماء من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان، إلى بحيرة طبرية ومنها إلى فلسطين والأردن، ليروي الأراضي الزارعية شرق وغرب النهر، وبعد حرب يونيو 1967 فإن إسرائيل دأبت على تقليص مياه البحيرة، كما أن النهر نفسه بات منطقة عسكرية إسرائيلية مغلقة، وتبيع شركات إسرائيلية المياه هناك للمزارعين الفلسطينيين، وتغدق على المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أما إثيوبيا وتحت ظروف الحرب الأهلية هناك، وقبل ذلك وطوال السنوات العشر الماضية، تبتعد عن أي طريق تفاوضي يقود إلى اتفاقية ملزمة مع دولتي المصب للنيل الازرق، مصر والسودان، رغم حسن نوايا البلدين، وتغاضيهما عن كل المواقف المراوغة الإثيوبية.

وتتحدث أديس أبابا عن توليد كهرباء من سد النهضة، ويعرف الخبراء المصريون أن الكهرباء المستهدفة لا تتطلب سدًا بهذا الحجم، وأن الهدف هو تخزين المياه، ووضع كل من مصر والسودان أمام أمر واقع جديد، ربما كان المستهدف هو المياه نفسها كسلعة، ولا أرى زبونًا محتملًا سوى مصر، لأن دول الجوار الإثيوبي مترعة بالمياه الفائضة عن حاجتها، وربما في الخيال الإثيوبي زبائن آخرون، مثل دول الخليج واسرائيل، عبر تكنولوجيا شديدة التعقيد.

ولذلك تأتي أهمية اجتماع المجلس الوزاري العربي للمياه في مقر الجامعة، لحماية الحقوق العربية المشروعة من المياه العابرة للحدود، ومن المشاريع العدائية لدول الجوار، وقال أبوالغيط: "في هذه المواقف العصيبة تبرز أهمية وحدة الصف العربي، إذ يقع على عاتقنا كعرب الحديث بصوت واحد لنقود تحالفًا يرسم مبادئ عادلة في تقاسم المياه، ويرسخها في قواعد ملزمة للجميع". 

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
محمد الشاذلي يكتب: عودة سد النهضة

عاد سد النهضة الإثيوبي إلى العناوين مرة أخرى، بعد وقت ليس بالقصير، على خلفية الصراع والحرب الأهلية التي عصفت بكيانات وأقاليم وسكان في إثيوبيا، تحت سمع وبصر العالم ومنظماته الدولية

محمد الشاذلي يكتب: عندما تقنع بأن الحياة "تيسرت"!

تظل السيرة الذاتية جاذبة على الرغم من تحفظات البعض، خصوصًا فيما يتعلق بأسرار الدولة أو العائلة، وتظل كتب السيرة دائمًا أحد النواقص في المكتبة العربية، ويبدو أن كثيرين قدروا التحديات

محمد الشاذلي يكتب: 1922

كان عام 1922 ـ قبل مائة عام من الآن ـ استثنائيًا في تاريخ مصر الحديث.. فقد تحولت مصر من سلطنة تتبع العلم العثماني إلى مملكة مستقلة

محمد الشاذلي يكتب: "ميرزا" رئيس تحرير الأهرام الغامض

كما سلك كثير من اللبنانيين طريقهم إلى مصر كصحفيين ومفكرين وتجار ومترجمين ودارسين، وصلت إلى القاهرة عائلة رئيس تحرير الأهرام عزيز ميرزا

محمد الشاذلي يكتب: في ذكرى ميلاد محفوظ الـ 110

هي ذكرى ميلاد نجيب محفوظ الـ110 ونأسف أنه ليس بيننا رغم بقائه الشامخ في الواقع الثقافي المصري بإبداعاته المفتوحة والمعبرة عن ما عاشه، والعابرة لزمانه إلى وقتنا الراهن.

محمد الشاذلي يكتب: عمان .. نحو الحداثة والمواجهة

تحتفل سلطنة عمان هذه الأيام بعيدها الوطني الـ 51، وهي تواجه تحديًا كبيرًا نحو الحداثة وفي مواجهة تحديات داخلية وخارجية، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ

محمد الشاذلي يكتب: نهر الكونغو .. أين المعضلة؟

يرى كثير من المصريين من خبراء المياه ومن أوساط الرأي العام أن حل أزمة المياه في مصر يكمن في زيادة ورفع كفاءة الموارد المائية، ومن بين الأفكار والمشروعات

محمد الشاذلي يكتب: ما الذي يعطل قناة جونجلي الآن؟

قال الملك في قصة : أليس في بلاد العجائب للكاتب الإنجليزي لويس كارول: ابدأ من البداية، واستمر حتى تصل إلى النهاية، وعندئذ توقف .

محمد الشاذلي يكتب: زيارة إلى بورسعيد

خرجت من زيارة بورسعيد أخيرًا بانطباعات متنوعة، تبدأ بالارتياح إلى المدينة وأهلها وسلوكياتهم الهادئة، خصوصًا أنني من أبناء القاهرة، وعاصمة المعز أحد أكثر

محمد الشاذلي يكتب: "..وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ"

كم كان قرارا متشنجا وعصبيا بتجميد مقعد سوريا في مجلس جامعة الدول العربية، بينما استمرت سوريا تشغل مقعدها في الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة.

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (4 - 4)

وقَّعَ الأستاذ نجيب محفوظ في شهر فبراير 1973 في مكتب الأستاذ توفيق الحكيم في الأهرام على بيان الكتاب والمثقفين الذي يطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم،

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (3 - 4)

احتفل الأهرام بعيد الميلاد الخمسين للأستاذ نجيب محفوظ، وكان صاحب الفكرة أحد أفراد شلة الحرافيش وهو الرسام والشاعر صلاح جاهين، لمعرفته بولع الأستاذ محمد

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة