ذاكرة التاريخ

قصة "نعناع الجنينة" بين الزراعة فى "غيطان مصر" وأغنية الغزل فى "عشق البنات" بأسوان

30-11-2021 | 13:43
قصة  نعناع الجنينة  بين الزراعة فى  غيطان مصر  وأغنية الغزل فى  عشق البنات  بأسوان زراعة النعناع
محمود الدسوقي

تعتبر زراعة النباتات العطرية مثل النعناع ، والورد ، والريحان من أقدم الزراعات على وجه الأرض، حيث احتلت مكانا بارزا في كتب التراث والطب والأكلات والأطعمة الغذائية، فتحدث عنه الأطباء القدامى، وتم ترديدها في التراث الشعري والشعبي ، مثل الصورة الغنائية "نعناع الجنينة"، والتي تمثل ملحمة غنائية تراثية لقبائل الجعافرة بأسوان مُستقاة من "فن النميم" والتي غناها أساطير الفن الشعبي في الصعيد أمثال  رشاد عبد العال أسطورة فن الكف، وسيد ركابي، والكينج محمد منير في ألبومه الغنائي "في عشق البنات".

 و"فن النميم" هو  واحد من الفنون الشعبية المتواجدة في محافظات الصعيد، وفي قبائل أسوان مثل الجعافرة، والعبابدة، والعليقات، ويقوم الفن على المباراة الغنائية بين  شاعرين، وهو من الفنون التراثية الشهيرة.

 وتقول الملمحة التراثية من فن "النميم"، والتي ذكرت النعناع "قالتلي بريدك يا ولد عمى، تعا دوق العسل سايل على فمي، على مهلك على ما بحمل التنى.. على مهلك على ده أنا حيلة أبويا وأمى.. نعناع الجنينة المسقي في حيضانه.. شجر الموز طرح ضلل على عيدانه.. في عشق البنات أنا فوقت نابليون.. ترومبيلى وقف عجلاته بندريون.. قدمت شكوتي لحاكم الخرطوم.. أجل جلستي لما القيامة تقوم".

ويؤكد المؤرخون والباحثون أن "فن النميم" من التراث الشعري الذي تمتاز به قبائل الجعافرة والعقيلات بأسوان والبحر الأحمر فقط، وقد أوشك على الاندثار، وقامت نوادي الأدب بأسوان على صنع نوادي أدب خاصة بهذا الفن؛ للحفاظ عليه من الاندثار، وهذا النوع من الغناء يشترك فيه عادة شخصان يتبادلان الغناء، الذي يغلب فيه طابع المنافسة، حيث يحرص كل من المطربين علي أن لا تفرغ جعبته قبل الآخر، والحكم في هذه المباراة لجمهور المستمعين.

وقد تمتد الأغنية حتى نهاية السهرة، وهم يسمعون هذا النوع من الغناء، وهو موجود بالفطرة في نفوس وفطرة الجدات وعجائز الجعافرة بأسوان، ويستلهمه دائما مطربون فن الكف.

وبعيدا عن "فن النميم" المشهور في أسوان وأغاني النعناع الشعرية والتراثية، تتناول "بوابة الأهرام" في تقريرها تاريخ زراعة النعناع في مصر، وذلك تزامنا مع انتشار صور غيطان النعناع في محافظة الفيوم على صفحات السوشيال ميديا، والتي أظهرت كثافة زراعته في غيطان الفيوم التي كانت قديما تشتهر بتقطير العطور المستخرجة من الورود والرياحين.

بدوره ينقلنا اللواء عبد المنصف محمود باشا في كتابه المهم "على ضفاف بحيرة قارون" طبعة أربعينيات القرن الماضي للزراعة في الفيوم، مؤكدا أن كافة أنواع الرياحين ومعها الزيتون كانت تزرع في الفيوم، وكانت الرياحين جميعا تورد في عصر محمد على وخلفائه من بعده لشون الأصناف، حيث تتولى الشونة استخراج ماء الورد من الرياحين، ولا يباع منها إلا الزائد حيث كان يتم تقطير العطور، مؤكدا أنه من العجائب الغريبة التي يرويها التاريخ أن كافة أنواع الرياحين والورد انعدمت في الفيوم سنة 1270هـ واستمرت 8 سنوات ثم عادت مرة ثانية 1285هـ.

وتنوعت أنواع وأصناف النعناع في العالم أجمع؛ بسبب شيوعه وانتشاره منذ القدم، فقد كان يوضع في أطعمة اليونان ، كما كانوا يضعونه على الأكاليل والتيجان، إلا أن النعناع في الوطن العربي حيث مصر وبلاد الشام والمغرب يمتاز بأنه طويل الأوراق.

وفى التراث والتاريخ يعتبر نعناع المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من أفضل الأنواع، وفى التراث المصري تحول النعناع كمادة توضع على الشاي مثل القرنفل؛ لذا ارتبط في التراث الغنائي، كما ارتبط بالغذاء في أكلات شهيرة في بعض البلدان العربية، حيث يوضع على السلطات، وغيرها من الأطعمة ، إلا إن المؤرخين يجزمون أن استخدام النعناع في الطب بدأ منذ القدم، وقد ازداد شيوعا في الطب الحديث في القرن الثامن عشر الميلادي.

 ويوضح المؤرخ أحمد الحتة في كتابه "تاريخ الزراعة في عهد محمد على باشا"، أن الفيوم التي كانت تشتهر بالرياحين كانت الزراعة مقسمة بها كالآتى: 20 فدانا قمحا، و20 فدانا فولا، و5 أفدنة شعيرا ، و10 أفدنة برسيما، و4 أفدنة حلبة ، و3 أفدنة كتانا، كما كانت تتواجد بها زراعة الذرة والنيلة والقصب والورود والرياحين، مؤكدا أن أكثر زراعة كانت تشتهر بها الفيوم هي الورود من قبل تولى محمد على باشا حكم مصر، حيث كان المماليك يقومون بتقطير ماء الورد في الفيوم، وكان يتم تصديره لبلاد الشام.

وقد احتكر محمد على باشا زراعة الورد في الفيوم، وبلغ محصولها 800 قنطار فى عام ،1832 ويؤكد محمد سلام باحث في النباتات لــ"بوابة الأهرام " إن هناك فروقا عديدة بين الريحان والنعناع والحبق وكذلك الورود في الزراعة وفى أشكال كل نوع واستخداماته، مؤكدا أن النعناع نبات عُشبي مُعمر أخضر يمكن زراعته في أي مكان حتى في المنازل مثلما يحدث فى عصرنا الحالي، وهو يستخدم في الطب الشعبي في الصعيد حتى الآن كمزيل لعسر الهضم؛ لذا يوضع على الشاي، كما أنه مهدئ للأعصاب ويسكن المغص.

 أما الحبق فهو المشهور في المدينة المنورة، وفى سوريا وفى فلسطين ولبنان وإيطاليا، وهو من عائلة النعناع، ويختلف عنه في الشكل، وهو مفيد للجهاز التنفسي وتنشيط الدم ويمنع التجلطات ومهدئ جيد.

 ويوضح محمد سلام ، أن الريحان مختلف عن النعناع أيضا فهو قديم جدا يستخدم كغذاء ودواء وعطر، وهو يمنع التجلطات والاضطرابات المعوية، ويحارب التسمم والغثيان وينشط الدم والذاكرة، مؤكدا أن شكل هذه النباتات مختلف إلا أن الصفة المشتركة فيما بينهما هي العطرية والرائحة النفاذة، مؤكدا أن العلم الحديث استخرج "أدوية وعطور وزيوت" من كافة هذه الأنواع يتم طرحها في الأسواق.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة