آراء

حسين خيري يكتب: 42 مليون جائع يتعلقون بقشة

30-11-2021 | 13:45

سبقت الصومال أمريكا بأيام وأعلنت حالة الطوارئ، وقد أعلنتها الأخيرة لمواجهة خطورة متحور "أوميكرون"، والصومال أعلنتها خوفًا من تعرضها لأزمة إنسانية بالغة ناتجة عن موجة جفاف تضرب أراضيها.

وأسفرت إرهاصات هجماتها الأولى عن موت آلاف الماشية وسقوط بعض المواطنين، ويزيح سكان الصومال عن عيونهم تكرار شبح أزمة المجاعة، التي مرت بها البلاد عام 2011، وقضت على حياة ربع مليون صومالي.

والصومال لا يسعفه الوقت حتى يلتقط أنفاسه ويستريح لبضع سنوات قليلة، فبعد اندلاع الحرب الأهلية فيها مع بداية التسعينيات، تدخل أمريكا بقواتها بحجة إخمادها، ولم تلبث عدة شهور وتنسحب، وتترك الصومال أسوأ وضعًا من السابق، ويصبح كل شبر فيها عبارة عن ساحة حرب بين طامعين وإرهابيين.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، والتفجيرات تدوِّي الآن في مقديشو، والجفاف يزحف على أرضها، كما كان الحال في مطلع القرن الحالي، فلم تهدأ الحرب أثناء هجمة الجفاف على البلاد، ويفشل صوت العقل في لجم صوت المدافع، وأهل الصومال يتساقطون صرعى الجوع.

والشكوك تحوم حول جدية تلبية النداء المعلن حاليًا من برنامج الغذاء العالمي، ويطالب فيه أثرياء العالم بتقديم 6.6 مليار دولار على سبيل المساعدة، وذلك تجنبًا لكارثة وشيكة الحدوث، وفي حال تأخر وصول المساعدات يتوقع المراقبون موت 42 مليون شخص على فترات متقاربة.

ويرصد في الصومال وحدها نحو 7.7 مليون مواطن مهددين بالأمراض والمجاعة، جراء الجفاف وهجوم الجراد، ومنذ عدة سنوات حذر من تعرض بحيرة تشاد للجفاف، وتعتبر أهم مورد اقتصادي ومائي لأكثر من 20 مليون شخص يعيشون على البحيرة، وحكومتها تطالب في الوقت الحاضر بسرعة الإنقاذ.

وكانت الجهات الدولية تتسول طوال الفترة الماضية لإنقاذ بحيرة تشاد بشكل عاجل، وتنفست أخيرًا الصعداء الدولُ المتضررة من جفاف البحيرة، حين تعهد مؤتمر المناحين بأسلو في عام 2018 بجمع 1.4 مليار يورو.

وتمخض الجبل بعد مرور عدة شهور عن حفنة قليلة من الملايين لعلاج محدود لبعض آثار جفاف بحيرة تشاد، ومازالت مناطق مختلفة عبر تشاد تعاني مرارة الجفاف، وينتظر أهلها حلم تبرع أثرياء العالم.

ومناشدات الهيئات الغذائية والإغاثية كمن يزعق في مالطا، وقد اجتمعت المرة تلو المرة، وتكتب التقارير حول تضخم كارثة المجاعة، ويغض العالم المتقدم طرفه عن الفقراء والمشردين ضحايا سياسته الاستعمارية، والتي تتنوع صورها عبر الأزمنة، ولا أمل في توقفها أو حتى الحد منها، وسجل التقرير الأخير لهذه المنظمات أسماء 16 دولة مهددة بالجوع الحاد، ولو تعرفنا على أسمائها، لتأكدنا بما لا يدع مجالاً للشك من صدق نوايا الدول العظمي الاستعمارية.

أما الرعب من كورونا فيجعل هذه الدول في تسابق ليس فيه هوادة للشفاء منه، وتنفق المليارات أملًا في القضاء على المرض، وهو أمل نتمنى تحقيقه على وجه السرعة، ولكن في المقابل يتعلق 42 مليون جائع بقشة تبرُع أثرياء العالم لإنقاذهم من موت محقق.

Email: [email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
حسين خيري يكتب: فضيلة التأمل في ديار ليلى

أن ترى الجمال بين الأطلال أمر يستغربه العقل، والمعهود أن رؤية بقايا الجدارن من زمن الأحباب تبعث الأسى على النفس، ولكن يستشعر جمالها كل من ينظر إليها من زاوية فن الفوتوغرافيا

حسين خيري يكتب: الطفل الكبير يواجه انحرافات جيل

معادلة صعبة تواجه الوالدين، وهي وقاية الأبناء من أشكال الانحراف، التي تقتحم بيوتنا دون استئذان عبر الإنترنت، والآباء من جهة أخرى يقضون أوقاتهم بعيدا عن البيت بحثا عن لقمة العيش

حسين خيري يكتب: عدوك يترصد وقتك

مع بداية عام جديد يجب أن نسأل أنفسنا ما هي إنجازاتنا الشخصية في عام مضي، وماذا قدمنا لمن حولنا ولمن بعدنا؟ فكم من شخص يمر عليه العام تلو العام، وهو كمن يدور في ساقية

حسين خيري يكتب: استراحة عام 21

نودع عامًا مضى بحلوه ومره، وكان لابد أن نقدم استراحة لالتقاط الأنفاس من وجع دماغ أحداث عام 21، ونحاول نتذكر سويا أطرف ما فيه من أحداث

حسين خيري يكتب: الغرب يضغط لقبولنا سبب انحطاطه

قضية شائكة يعتبرها الغرب من ثوابت الحرية الشخصية، ونحن في المقابل أصحاب حضارة الشرق نرفضها شكلًا وموضوعًا، ولذا وجه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب اعتراضه

حسين خيري يكتب: هروب 60 ألف طفل فلسطيني

ستة آلاف سجين فلسطيني في سجون إسرائيل، يقبع بعضهم سنوات طويلة في السجن، والعدد الآخر يواجه عقوبة السجن مدى الحياة، والحاجة أم الاختراع جعلت الفلسطينيين يلجأون إلى النطف المهربة

حسين خيري يكتب: أغاني تبني وأخرى تقتل

يعد ضربًا من الجنون مغامرة أطباء النفس علاج مرضاهم بموسيقى وأغاني المهرجانات، وذلك تنفيذًا لوصية أرسطو أن الفن شكل من أشكال العلاج

حسين خيري يكتب: 42 مليون جائع يتعلقون بقشة

سبقت الصومال أمريكا بأيام وأعلنت حالة الطوارئ، وقد أعلنتها الأخيرة لمواجهة خطورة متحور أوميكرون ، والصومال أعلنتها خوفا من تعرضها لأزمة إنسانية بالغة ناتجة عن موجة جفاف تضرب أراضيها.

حسين خيري يكتب: الرقيب الصيني يفرض مقصه على هوليوود

بدون مبالغة الصين تحدد حاليًا ما يراه المشاهد من أفلام في أي بقعة على الأرض، وأثبت ذلك في دراسته جيمس تاجير الباحث الأمريكي في صناعة السينما، وقال جيمس

حسين خيري يكتب: الشخصية المهزوزة علة المجتمعات

هل اعتدنا في شارعنا العربي رؤية عجز المارة الدفاع عن الضعيف؟ وحجتهم في ذلك شعورهم بالخوف من تعدي الجاني عليهم، وتلك الحقيقة المؤلمة توضح عظم المصيبة في

حسين خيري يكتب: الفاشل الجزء الأكبر من كل مشكلة

كلما قرأت عن جريمة، أجاهد نفسي في البحث بين السطور عن صفات فاعلها، ودائمًا ما تفسر عن تجسيد لملامح شخص فاشل حاصل على أدنى درجات المعرفة.

حسين خيري يكتب: "نشوة الموت" لعبة تنشر الكراهية

نشوة الموت كارثة جديدة تبعث القلق في نفوس رواد التواصل الاجتماعي، ويتزايد الخوف من انتشارها وسط مجتمعنا العربي، فقد مات في يونيو الماضي مراهقان بالولايات

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة