منوعات

حكايات من الواقع .. كلمة أخيرة قبل الرحيل

29-11-2021 | 13:15
حكايات من الواقع  كلمة أخيرة قبل الرحيل حكايات من الواقع
خالد حسن النقيب

في ذلك اليوم استيقظ مبكرًا وكأن جسده النحيل اكتفى من كل شيء، تجول في بيته الصغير وملأ عينيه بنظرات اطمئنان على أولاده ولكنه توقف عند ابنته وأراد أن يراها في فستان زفافها، هو يعلم إن زواجها بعد شهر وما قيمة الزمن وقد اختنقت أيامه، لم يدر إلا وقد استيقظت العروس من ثباتها، أدهشها وجده، نظراته المبللة بقطرات دمع حانية، انتفضت إليه، احتضنته، سألته إن كان في حاجة إلى شيء، إن كان متعبًا، إن ...... !!

ولكنه قال: يا ابنتى أردت أملأ عينى منك، استوحشتك وأنت إلى جواري فكيف وأنت ترحلين عني لبيت عريسك، ومن يدرى يا ابنتى من يسبق بالرحيل، اطمئني، لا تفزعي، لن تغادرك رحمة ربي وتذكرى أني أنظر إليك ترفلين في فستان عرسك فلا تجعلي الفرحة تختنق في عينيك، لا تبلليها بدمع الفراق فتلك ليلتك، اضطربت الفتاة وتعالت ضربات قلبها خوفا ورعبا فما رأت أبيها يتحدث إليها هكذا من قبل، نفضت عن عينيها النعاس وتيقنت أنها لا تحلم وقبل أن تنطق بادرها بابتسامة هادئة استكانت لها وربت على كتفها وذهب يصلى الفجر..! 

سلم على أولاده كما لم يسلم عليهم من قبل وكأنه يرتوى منهم عطشًا وذهب إلى مدرسته فأمامه مهمة اعتاد عليها كل يوم تبدأ بتنظيم طابور الصباح ولكنه اليوم لابد وأن يمر على الفصول الدراسية يطمئن على درجات حرارة التلاميذ لعل واحدًا منهم التقط عدوى كورونا يسارع به للمستشفى، استقبلته المديرة باندهاش فقد كان مختلف العهد عن كل يوم، يطيل النظر في كل من يقابله، يمتلئ منه، وسرعان ما جاب المدرسة من أعلى إلى أسفل يطمئن على كل شيء لا تعانده عزيمته، ولكنه في لحظة كانت على موعد معه أحس بأن الطاقة قد استنفدت، تلاحقت الأنفاس، تعلقت نظراته بالسماء ينظر إلى شيء ما، هرول إليه زملاؤه المدرسون، الطلاب، لكنه لا يدري بهم، لقد تحلل من كل شيء، ثقلت همومه وهو يعافر الدنيا لتدبير قوت أولاده ونفقات جهاز ابنته الذى لم يكتمل وابنه وقد تخرج وبات عبئا آخر لا يعمل ولديه صغار مازالوا يدرسون، كان شاردًا في رحلته الأخيرة، يبتسم لما يرى، الصورة أمامه تبدو أوضح، يرى العروس تحتضنه بفرحة العمر، وكبير أولاده و هو يحمله على كتفه، أراد أن يهمس في أذنه بكلمة أخيرة استقرت في قلب الولد وهو يحمل أباه إلى مثواه الأخير، متلطفا به نزل المقبرة وفك عنه رباطه وقال: وعيت يا والدى ما تقول واستودعه موصدًا خلفه الباب عن عالم آخر انفصل فيه كل شيء عن الدنيا..!

أتتني ابنته تبحث عنه، تود لو أوهمتها بأنه حتما قادم من رحلة قصيرة كانت أو طويلة، ولكنه عائد لا محالة، لا تريد زفافا وتكره الفرحة من دونه، لا تزال تستشعر دفء ذراعيه في صباح ذلك اليوم يحنو عليها ثم مضى و لم يأت. 

قالت الفتاة: ما ندرى أنا وأشقائي ماذا نفعل من بعده حتى زواجي مهدد بالفشل فالتجهيزات التي كان والدي يقوم عليها لم تكتمل ونفقات أشقائي في الدراسة والمعيشة وأمى باتت لا حيلة لها في شيء.

لست أدري ماذا أفعل غير أنى خيرت خطيبي أن يبحث لنفسه عن عروس أخرى تكون مناسبة له أكثر منى فأنا لم أعد متفرغة له وقررت أن أنزل إلى سوق العمل أنا وشقيقى حتى نتمكن من وفاء التزامات أشقائنا التي كان يقوم عليها والدي ولكني لم أقدم على ذلك إلا لأني أشفق على خطيبي والذي لم أحب غيره من تبعات ظروفي وحالتنا المادية.  

ولكنه متمسك بى وقال إنه لا يريد شيئًا من الدنيا غير الحياة معى ولو شاركني همومي ومسئولياتي، ورغم أنه ليس أفضل مني حالًا ولا يعمل عملًا ثابتًا إلا إنه لا يفتر أن يساعدني ويساندني في ظروف هى الأصعب في حياتى فرضت عليَّ وعليه قسرًا.

هل يستقيم ذلك؟!.. وما ذنبه أن يشقى معي.. وهل الحب الذي جمع بيننا يمكنه أن يعيش ويستمر في هذه الظروف والمعاناة؟
م . ع . القاهرة

الحياة والموت قدر لا يغادر أحدًا حيث نأتي الدنيا ونحن على موعد بالرحيل عنها وتبعات الرحيل هي حكمة لا يعلمها غير المولى عز وجل وأنت يا ابنتي وشقيقك الأكبر وإخوتك الصغار على موعد مع امتحان وإن كان قاسيًا في الفترة المقبلة من الحياة ولكن الله عز وجل من قدر المحنة وكتبها عليكم وهو من ييسرها لكم وما كان لأبيكم - رحمه الله - من رزق لم يكن إلا رزق يصل إليكم من خلاله ولن ينقطع رزقكم في الدنيا برحيله وستمتد يد الله إليكم بالرحمة والستر فلا تقنطى من رحمة الله وكوني على يقين من أن أباكِ الذي امتلك قلوب كل من كانوا حوله في البيت والعمل لم يترك من ورائه إلا طيبًا وسيكرمك الله بطيب سيرته وأبرز ما أنعم الله عليك خطيبك هذا بأخلاقه وحبه وتمسكه بكِ فلا تظلمينه بفراق ترينه حلًا مؤقتًا لأزمة إن شاء الله لن تستمر وسيقف إلى جوارك سندًا وزوجًا وسيكتمل جهازك وتزفين إليه بقدر الله وحوله فلا تحزنى يا ابنتي..!

وصدق المولى عز وجل في محكم آياته عندما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة