راديو الاهرام

محمد مصطفى الخياط يكتب: المهاجر .. لم يعد هناك ما يعود إليه

28-11-2021 | 16:39

رغم رحيله عن عالمنا منذ أكثر من عشرين عامًا، إلا أن صوته وكلماته لا يزالا حاضرين بيننا. عرف العالم العربي نزار قباني شاعر حبٍ أكثر مما عرفه سياسيًا مطاردًا كالعصافير من بلد إلى بلد. ولما لا، وهو القائل في ديوانه (خمسون عامًا في مديح النساء)، (أسست جمهورية للعشق، لا تغرب عنها الشمس.. فيها النخل والرمان والأعناب.. وكان عندي دولة كبرى.. من الشفاه والعيون والأهداب). تغافل الكثيرون عن قصائده السياسية، واكتفى آخرون بقصيدة (بلقيس والوطن)، حين رثى زوجته.

مع نشرة أخبار يتزاحم فيها الضحايا والمفقودون والمشردون -من أرجاء الوطن العربي- على شريط الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، يفتح نزار دفتره القديم ويرتدي نظارته السميكة، يمسح الصفحة بيديه الممتلئتين المرشوشتين بالنمش ويقرأ سطوراً من سِفر (مُتعب بن تعبان)، (مواطنون.. دونما وطن.. مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن.. مسافرون دون أوراقٍ.. وموتى دونما كفن).

 نزح الملايين من أوطانهم ورموا بأنفسهم في المجهول طلباً للهجرة، تركوا بلادًا صارت الفوضى فيها حرفة، صارت كما يقول نزار (أيا وطني.. جعلوك مسلسل رعب نتابع أحداثه كل مساء). حشروا صدورهم بالأمنيات وهاجروا بحثاً عن الأمان. بحثاً عن وطن بلا قذائف هاون، ولا صفارات إنذار، ولا سيارات مفخخة، ولا قناص يبتسم حين تسكن رصاصته جبهة ضحية كل علاقته بها أنها كائن يتحرك. بحثاً عن وطن لا يكتب فيه المخبر السري النشرة الجوية، وأدعية الصلاة. كانوا يبحثون عن وطن.

سجلت سوريا والعراق وليبيا والسودان أعلى معدلات الهجرة. قصد المهاجرون بيلاروسيا ليعبروا منها إلى بولندا؛ أحد بوابات الاتحاد الأوربي. وضع الوقود إلى جانب الكبريت أمر معتاد في السياسة. تضغط بيلاروسيا على جيرانها الأوربيين بالمهاجرين والغاز الطبيعي المار إليهم عبر حدودها قادما من روسيا. أيضًا هدد الرئيس لوكاشينكو بفتح مزيد من حدود بلاده على دول أخرى؛ ليتوانيا، لاتفيا. لم ينس انتقادات الاتحاد الأوربي لانتخابات الرئاسة العام الماضي في بيلاروسيا. تصاعدت ضده الاتهامات بالتزوير، رغم أنه منذ تولي الرئاسة عام 1994، لم يفز -في كل مرة- بأكثر من 80%. ثم تفاقمت الأمور عندما أرغمت الطائرات الحربية طائرة مدنية في رحلة من اليونان إلى ليتوانيا، على الهبوط في العاصمة مينسك لاعتقال أحد معارضيه. إبقاء الوضع متوترًا مناخ يتقن الكثيرين العيش في أكنافه.

 على الحدود مع بولندا، وفي درجات حرارة منخفضة، تتلاصق الأسر داخل خيام قماشية لا يزيد ارتفاع الواحدة منها عن المتر اتقاء للبرد والخوف. الخوف الذي سكن الصدور الـمُتعبة، والنفوس القلقة. حول دفء النار تنزلق الحكايات بلهجات عربية مختلفة، مزيج بين هذا وذاك. رغم اختلاف الجذور، ظلت أسباب الهجرة واحدة. سماع قصة يغنيك عن باقي القصص.

 مع استمرار غلق بولندا حدودها تتصاعد حدة الأزمة. تولى البرد إرسال بعضهم للعالم الآخر، هجرة نهائية. وما زال المئات قابعين ينتظرون. ترفض بولندا دخولهم. وترفض بيلاروسيا إيواءهم !!.

حين ضاعت أوراق سائق مسافر من غربستان إلى شرقستان، رفض كلا البلدين السماح له بالدخول. اضطر للتخييم على الحدود، في المسافة الفاصلة بين البلدين، وبعد العديد من المفارقات اتخذ قراره عبور السلك الشائك لينتهي -فيلم الحدود لدريد لحام- على صوت طلقة رصاص، لا يعرف أحد من أي جانب أُطلقت، وإن عرف الكل أنها مصوبة تجاه السائق.

ما كان قصة خيالية صار واقعًا يعيشه اليوم مئات المهاجرين. ومع أن خوفهم من الغد كبير، إلا أن خوفهم العودة لأوطانهم صار أكبر. لم يعد هناك ما يعودون إليه.

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة