آراء

كمال جاب الله يكتب: حمى تايوان تنتقل لـ قمة تقسيم العالم

29-11-2021 | 00:04

من يتابع عن قرب تغطية وسائل الإعلام العالمية، يمكن أن تتسرب إلى مخيلته مشاعر مرعبة، بأن حربًا عالمية على وشك الوقوع، بين جانبي مضيق تايوان، وهو ما أستطيع أن أجزم بعدم وقوعها، بتاتًا، استنادًا لمعرفتي الوثيقة بالمنطقة.

من بين عشرات التقارير المثيرة للشفقة والارتياب، التي تبثها الميديا، وتؤثر في مستمعيها ومشاهديها وقرائها، في مختلف أنحاء المعمورة، أتوقف عند تقريرين، الأول بثته شبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية، في يوم الأربعاء، 17 نوفمبر الحالي، بعنوان: هكذا يبدو سباق الأسلحة المتنامي في آسيا.

الثاني، نشره الموقع الإلكتروني الياباني "نيبون دوت كوم"، بعنوان: كيف سترد تايوان والولايات المتحدة واليابان على الغزو الصيني لتايوان في حالة حدوثه؟

في التقرير الأول، تشير شبكة سي إن إن إلى أن تايوان في سباق مع الزمن لتحديث جيشها وإمداده بالمزيد من السفن الحربية والصواريخ، صناعة أمريكية، بمليارات الدولارات، (أكرر بمئات المليارات من الدولارات) تحسبًا لغزو صيني، مما يتسبب في نشوب حرب قد تمتد للولايات المتحدة وحلفاء ديمقراطيين آخرين.

في مقابلة حصرية مع الشبكة الإخبارية الأمريكية، وردًا على السؤال: هل ستتمكن تايوان من الدفاع عن نفسها لفترة من الوقت، قبل تلقيها مساعدات من دول أخرى، قالت رئيسة الحزب الديمقراطي التقدمي، تسايإنج وين: "نريد بالتأكيد الدفاع عن أنفسنا قدر الإمكان، لكن اسمحوا لي أن أكرر أهمية أن نحظى بدعم أصدقائنا".

هنا يذكر التقرير أن أقرب صديق لتايوان، على الأقل جغرافيًا، تقع اليابان، التي تعتبر أن ما يحدث في تايوان يمس أمنها القومي، مما يتطلب الرد، ولهذا تجري تدريباتها العسكرية وتنقل قواتها - منذ عقود - إلى جزرها الجنوبية، التي تبعد بنحو مائة ميل – فقط - من الساحل التايواني.

في اليوم نفسه، نشر الموقع الإلكتروني الياباني، نيبون دوت كوم، دراسة مستفيضة كتبها مدير قسم الدراسات الإقليمية في المعهد الوطني للدراسات الدفاعية اليابانية، البروفيسور مونماريرا.

تنصب الدراسة على تصورات افتراضية لنشوب حرب بين ضفتي مضيق تايوان، ومحاولة الإجابة على السؤال: كيف سترد تايوان والولايات المتحدة واليابان على غزو صيني لتايوان، في حالة حدوثه (لا قدر الله).

البروفيسور الياباني، مونماريرا، أسهب في الحديث عن سيناريوهات ما أسماه بالغزو الصيني المتوقع لتايوان، وقسم التقرير للعناوين التالية: بداية الغزو.. الهجوم السيبراني، تايوان تنجو من الموجة الأولى وتنتظر التعزيزات الأمريكية، الهجوم الأمريكي المضاد، حالة الطوارئ في تايوان هي حالة طوارئ في اليابان.

في نهاية التقرير، يؤكد الخبير الياباني أنه يجب على تايوان واليابان إثبات أنهما تحتفظان بقدرات كافية لثني الصين عن غزو الجزيرة، وبالتالي مهاجمة القوات الأمريكية في اليابان، وتوثيق العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان واليابان، وضمان التحالف الياباني-الأمريكي لردع غزو الصين.

تلك هي الصورة بالغة الإثارة، التي تنقلها – بكثافة - الميديا العالمية، وتستهدف تسخين ودق طبول الحرب بين ضفتي مضيق تايوان، وإن كان واقع الحال في المنطقة مغايرًا تمامًا لتلك الضجة المفتعلة، لـ "حاجة في نفس يعقوب".. فما هي؟

الثابت والمؤكد أن سكان جزيرة تايوان، البالغ عددهم نحو 24 مليونًا، كما شاهدتهم بعيني، وزرت العديد من مدنهم ومؤسساتهم الأهلية والتنفيذية، واطلعت على مظاهر نهضتهم في 4 زيارات ميدانية، هم صينيون مسالمون، ويعرفون أكثر من غيرهم، أن تايوان كانت، وسوف تظل، جزءًا لا يتجزأ من الصين.

المشكلة الحقيقية التي تواجه تايوان تكمن في تبني فئة متطرفة من سياسييها، وتحديدًا، الحزب الديمقراطي التقدمي، أفكارًا تروج للاستقلال، بدعم من الولايات المتحدة، على عكس نصوص "توافق 1992" مع الصين، بنبذ فكرة الاستقلال، وإبقاء الحال على ما هو عليه، إلى حين حل المشكلة سلميًا، عبر المضيق.

المجال لا يتسع لـ "إثبات المثبت" بخصوص هوية تايوان الصينية، بالمفهوم العام، لكنني سأختار جانبًا مهمًا يتناول حجم التبادل الفعلي بين ضفتي المضيق، لعله يدحض التقارير المريبة، التي تبث الفتنة وتدق طبول الحرب في المنطقة.

الحقائق تثبت أن البر الرئيسي في الصين كان دائمًا الخيار الأفضل لمواطني تايوان في إقامة الشركات ذات التمويل التايواني للاستثمار وبدء الأعمال.

وفقًا لإحصاءات الإدارة العامة للجمارك الصينية، في الفترة من يناير إلى أغسطس من العام الحالي، 2021، بلغ حجم التجارة عبر المضيق 208.82 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 31.8٪. 

وقد بلغت صادرات البر الرئيسي إلى تايوان 50.32 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 33.4٪؛ في حين بلغت واردات البر الرئيسي من تايوان 158.5 مليار دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 31.3٪. 

في الوقت نفسه، حافظ استثمار رجال الأعمال التايوانيون في البر الرئيسي على نمو متواصل، ووفقًا لإحصاءات وزارة التجارة الصينية، في الفترة من يناير إلى يوليو من هذا العام، وافق البر الرئيسي على 3552 مشروعًا ممولًا من تايوان، بزيادة سنوية قدرها 47٪؛ اجتذبت بالفعل استثمارات تايوانية بقيمة 640 مليون دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 9.6٪. 

هذه التبادلات الاقتصادية والتجارية الواسعة على جانبي مضيق تايوان يبدو أنها غير كافية لوأد الفتنة، التي تتورط في إشعالها فئة متطرفة بالجزيرة، مدعومة بمصالح خارجية مناوئة للصين، بغرض افتعال حرب مهما كان الثمن بالمنطقة. 

آخر الأوراق المريبة، التي تفتقت عنها ذهنية مناوئي الصين، تمثلت في إعلان إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن،عن قائمة لـ "المدعوين" بـ"قمة الديمقراطية الافتراضية" المزمع عقدها في شهر ديسمبر المقبل.

تضم القائمة - الهادفة لتقسيم العالم - 110 مشاركين، في مقدمتهم جزيرة تايوان؛ واستبعاد الصين وروسيا، وتركيا (دول الناتو)، والمجر (دول الاتحاد الأوروبي والناتو)، سنغافورة، تايلاند، وفيتنام، ودول الشرق الأوسط (باستثناء إسرائيل والعراق).

[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
كمال جاب الله يكتب: أهلا وسهلًا بالرئيس الكوري في مصر

في يوم الخميس المقبل، 20 يناير، سوف يصل القاهرة الرئيس الكوري الجنوبي، مون جيه إن، في ثاني زيارة يقوم بها رئيس كوري لمصر، بدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، في إطار جولة

كمال جاب الله يكتب: الإمارات وطن السعادة وجودة الحياة

في خلال زيارتي الأخيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، حاولت أن أجد ردًا على السؤال: لماذا يشعر المقيمون على أرضها بحالة من الرضا والسعادة والاطمئنان،

كمال جاب الله يكتب: سلام عليكم "أولاد زايد"

قبل أن أصل إلى أبو ظبي، في أواخر النصف الثاني من شهر ديسمبر الماضي، كنت قرأت تقريرا، نشره تصنيف جالوب للقانون والنظام العام، لعام 2021

كمال جاب الله يكتب: مصر 2070 في "إكسبو دبي 2020"

زيارتي لعاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي، وكذلك إلى مدينة دبي، التي استغرقت أسبوعًا، جاءت سياحية صرفة، ولم تكن مهمة صحفية بأي حال

كمال جاب الله يكتب: السفر إلى الإمارات في "زمن كورونا وسنينها"

أكتب من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا من العاصمة أبوظبي، التي وصلتها مساء يوم الجمعة الماضي، في زيارة سوف تستغرق أسبوعًا، وهي الرحلة الخارجية الأولى بالنسبة لي

كمال جاب الله يكتب: احتفاء ببلوغ أميرة اليابان سن الرشد

العام الماضي، وتحديدًا في 23 فبراير 2020، صدر لي كتاب بعنوان رييوا 2050 ، تضمن فصلًا عن المؤشرات والتقديرات والتنبؤات، الخاصة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاجتماعية

كمال جاب الله يكتب: المسألة أكبر من "ديمقراطية تايوان"

بحكم متابعتي للملف الصيني، أستطيع القول إنما يجري تسويقه للرأي العام العالمي، المغلوب على أمره، لتمرير ما يسمى بالنهج الديمقراطي بجزيرة تايوان، يشبه إلى

كمال جاب الله يكتب: اقتصاد اليابان ينكمش .. وفي مفترق طرق

أستكمل ما بدأته الأسبوع الماضي بخصوص المهام الشاقة، التي تواجه حكومة اليابان، لإنعاش الاقتصاد، باتباع شكل جديد للرأسمالية ، وحقن السوق - سريعًا - بما

كمال جاب الله يكتب: رأسمالية جديدة في اليابان بقيادة كيشيدا

بحكم توليه رئاسة مجلس الأبحاث، لأطول مدة في تاريخ الحزب الليبرالي الحاكم باليابان، يواجه الزعيم كيشيدا فوميو، الذي شكل حكومته الثانية يوم الأربعاء الماضي،

كمال جاب الله يكتب: وسام ياباني صادف أهله من المصريين

بعد أيام قليلة، سوف يصل للقاهرة رئيس جديد لبعثة اليابان الرسمية، هو السفير أوكاهيروشي، خلفًا للحالي، ماساكي نوكي، الذي امتدت مهمته في مصر إلى أكثر من 3

كمال جاب الله يكتب: سفيرة كوبا .. وممثل الكيان .. وسلة القمامة

انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي والميديا العالمية، بحركة مسرحية هزلية، قام بها ممثل للكيان الصهيوني، على منبر الأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضي، عندما مزق،

كمال جاب الله يكتب: ليكن درس أفغانستان عبرة لـ حكام تايوان

في أثناء زياراتي الأربعة لـ تايوان (2005-2011-2013-2014)، كنت أردد أمام المواطنين الصينيين هناك: المتغطي بـ أمريكا عريان ، لتحذيرهم من التهور، بحجة حماية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة