راديو الاهرام

عبد السلام فاروق يكتب: "قصر العثمانلي" .. يتحدى زواره!

28-11-2021 | 13:02

تأتيني دائمًا أعمال كثيرة لمؤلفيها من الروائيين والمسرحيين والشعراء فلا تستوقفني كثيرًا ربما لأني ذي مزاج خاص في الكتب وقد يستوقفني عنوان أو صورة غلاف، وحينما وقع في يدي كتاب (قصر العثمانلي) شعرت باختلافه ووقوعه في دائرة مزاجي الأدبي؛ سواء في عنوانه الغامض أو في صورة غلافه الموحية.
 
شرعت في قراءة قصص الكتاب فوجدت قدمي تنزلق سريعًا نحو جوفه، وسرعان ما تجاوزت نصف الكتاب دون أن أشعر بمرور الوقت، تلك الحالة التي لم أعد أقابلها كثيرًا، لا أحب الكتب ثقيلة الوقع والأسلوب تصيبني سريعًا بالملل والصداع وأحيانا بالغثيان.
 
هذه ربما المرة الثالثة التي أقرأ فيها قصص المجموعة. المرة الأولي لا تحتسب إذ كانت تلقائية سريعة ولذيذة، لكن القراءة الثانية المتمعنة والثالثة الفاحصة كانتا للتقييم والتعمق، حقًا هو كتاب لا تندم على إنفاق الوقت لقراءته مرارًا، حيث تكتشف كل مرة زاوية أو بعدًا أو معنى عميقًا لم تلتفت إليه في قراءتك السريعة.
 
المجموعة القصصية رغم كونها تناقش مضمونًا متكررًا هو الطلاق والمشكلات بين الأزواج يرويها مأذون سابق فوق سن المعاش، إلا أن القصص تفاجئك بأنها ذات مضامين أعمق وأشد تشعبًا من المضمون التقليدي العام، أحيانًا تجد نفسك في عالم غريب وغامض مثل القصة الرئيسية للمجموعة "قصر العثمانلي" التي تنسرج حول قصر لأمير تركي في العهد الملكي يتحول إلى أسطورة تلوكها ألسنة الناس، يشهد مواقف مدهشة واختفاء بعض زواره وقاطنيه والسر يكمن في تاريخ القصر وماضيه، قصة أخرى غريبة أسماها الراوي: (بيت المطلقات) تدور حول بناء يشبه اتحادًا نسائيًا شعبيًا لمجموعة من المطلقات اللائي يجمعهن الهم والشقاء ويوحدهن التحدي والرغبة في مواصلة الحياة بلا هموم ومعاناة، ربما كان نموذجًا مثاليًا مبالغًا أو هي دعوة مبطنة من القاص لإيجاد مثل تلك الحالة من التكاتف بين المطلقات.

أسلوب القاص من نوع السهل الممتنع يجذبك من أقصر طريق، وهو لا يخلو من السخرية والمزاح أحيانًا، والراوي يتحدث عن نفسه في نهاية الكتاب بقصة تحمل عنوان (حكاية مزاحم) بطلها الشيخ بخيت؛ وهو شخصية مختلقة شكَّلها القاص لتمثل الخيط الذي يربط سلسلة القصص في رباط واحد.

وفي كل قصة تكتشف صنفًا مختلفًا من صنوف البشر لشخصيات لا تبدو نمطية، وإنما هم دائمًا مأزومون أو مختلفون، وقد أجاد القاص رسم بعض الشخصيات بحيث تظل أحيانًا باقية في الذهن رغم الفروغ من القراءة.
 
تستطيع قراءة المجموعة فيما لا يزيد على ساعتين في عدد صفحاتها الذي يتجاوز المائة بنحو ثلاثين صفحة.

ويبلغ عدد قصص المجموعة ثلاثين قصة، أكبر القصص من ثماني صفحات وأصغرها من ثلاثة.

الجديد الذي لم أستسغه كثيرًا أن القصص جميعها تبدأ بما يشبه الحكمة المفسرة أو المتصلة بمغزى القصة، صحيح أن هذا أمر سبقه إليه بعض كبار الأدباء كيوسف السباعي ومصطفى محمود، لكنه ليس معتادًا الآن.

تتسم القصص بالتكثيف وثراء الأحداث وتواليها بحيث تجري عيناك سريعًا على السطور فضولًا وشغفًا، لهذا لن تجد أثرًا كبيرًا للتطويل في الحوار بين الشخصيات لغلبة السرد وتكدس المشاهد، ثم سمة التنوع حتى لا تكاد قصة تشبه غيرها كأن كل قصة كيان مستقل بذاته أو حتى لكأن بعضها يكاد يكون كالرواية المصغرة من شدة تكاثف الأحداث بها وتكدسها، لكنك ما تكاد تنتهي من قراءة المجموعة القصصية حتى تشعر بنوع من عدم الراحة بأن هذه المجموعة ناقصة أو مبتورة، وينتابك شعور بأن الشيخ بخيت راوي القصص بخيل أو أنه احتجز بعض القصص لم يروها لنا بعد.

أعجبني غلاف الكتاب الذي كان سببًا من أسباب قراءتي له، وهو يمثل لوحة فنية موحية بالماضي والتراث ذات ألوان منسجمة مريحة للعين، وهي من تنفيذ وإخراج دار (بورصة الكتب) للنشر والتوزيع. يبقي لنا أن نتعرف على مؤلف المجموعة، وهو الدكتور محمود نبيل محمود، طبيب وشاعر له عدد من الكتب النقدية المهمة منها: (الشعر والفكاهة) و(الرواية في الخليج)، وست مجموعات شعرية متفردة تغمرني بالسعادة وأنا أقرأُ، أو وأنا أستمع إليه، ولا أعرف لماذا تتداعي إليَّ وأنا أقرأ دواوين محمود نبيل أن أربط بين الموسيقى والشعر وهي: (نبع الرضا، السر الأخير، عشق بلا شاطئ، ومضات من العشق، حكاوي الليل، وموال الأرض والغربة)، كما فاز بجائزة عن مسرحية (جبل الأسرار) والتي صدرت عن هيئة قصور الثقافة.

تحية للمؤلف والناشر كلاهما، فالكتاب يستحق الإشادة، وثنائي عليه من باب تشجيع المواهب الشابة في فن القصة ومن باب الدعوة للتمسك بأساليب أدبية تذكرنا بزمن الأدب الجميل.

[email protected]     

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة