راديو الاهرام

ثابت أمين عواد يكتب: "مشرفة" .. هل يجد الكرامة في وطنه كما وجدها بالغرب؟!

27-11-2021 | 14:27

لا نهضة إلا بالبشر، ولا تقدم إلا بالعلم، ولا علم إلا بالبحث، ولا بحث إلا بالمعلم.. هذه مسلمات توصلت إليها البشرية وأجمعت عليها الأمم السابقة واللاحقة، وعرفتها كافة الحضارات، أي أن محور العلم ومؤشر حركة التطور هو "المعلم"، فما بالنا إذا كان هذا المعلم عالمًا عبقريًا بشهادة الخارج قبل الداخل، والغرب قبل الشرق.

لم ولن تبخل علينا أرضنا الطيبة من العلماء، لكن هناك عالمًا شهدنا له بالعلم واعترفنا بعبقريته، ولكن هذه الشهادة وهذا الاعتراف كان ومازال نظريًا فقط، ولم يترجم على أرض الواقع، هذا العالم هو عالم الفيزياء الدكتور علي مصطفى مشرفة الذي كان نابغًا متميزًا منذ صغره في الثلاثينيات من القرن الماضي، ليسافر إلى الخارج في سن 17 ويشق طريقه إلى بريطانيا؛ حيث بؤرة العلم وآفاق البحث والنبوغ.

يطلقون عليه هناك "أينشتاين الشرق"، وكان العالم البرت أينشتاين يمدحه كثيرًا بفضل علمه المبكر ومساعدته له في الوصول إلى اكتشافه للذرة  بمساهمة "مشرفة"، الذي حصل على درجة الدكتوراه في العلوم عام 1924، ليصبح أول عالم مصري، والحادي عشر عالميًا، يحصل على هذه الدرجة.

تكريمًا له أنشأت الحكومة البريطانية منحة تعليمية لدراسة الدكتوراه تحت اسم منحة "نيوتن- مشرفة" لنيل درجة الدكتوراه في المملكة المتحدة، وعندما بلغ 27 عامًا، طلبت إدارة الجامعة تعيينه أستاذًا بها، إلا أن الوزارة رفضت لصغر سنه، واتجهت الجامعة الى مجلس النواب لعرض حالته على المجلس، وتم استثناؤه من السن.

كان يعمل على إنتاج المعرفة وليس استيرادها، حلم بتأسيس مشروع للنهضة يتيح لمصر الاعتماد على الذات، إضافة إلى سعيه لربط التعليم في مصر بنظيره في بريطانيا، كما أتاح لخريج كلية علوم القاهرة ليصبح متكافئًا مع نظيره خريج كلية العلوم بلندن، وبالرغم من هذا الرصيد، لم يوافق على كتابة اسمه على كلية علوم القاهرة، التي كان يترأس عمادتها، كما هدد بالاستقالة إن لم تُعين تلميذته سميرة موسى معيدة بالكلية.

كان يعارض استخدام الطاقة الذرية في الحروب، وكان يدعو الحكومة إلى البحث الذري وتصنيع القنبلة الذرية للردع لا للحرب، ولكي تحافظ الدولة بها على توازن القوى الإقليمية، وكان معتدًا بنفسه، ومهتمًا بنشر الوعي العلمي للبسطاء، وساهم في كتابة موسوعة علمية عربية، بهدف تبسيط العلم للجميع، كما شجع حركات الترجمة، وترجم 10 كتب عن علم الفلك والرياضيات إلى العربية.

نشر 25 ورقة علمية في مجلات علمية مرموقة، حول نظرية النسبية والعلاقة بين الإشعاع والمادة، وألف 12 كتابًا علميًا حول النسبية والرياضيات، وتُرجمت كتبه عن نظرية النسبية إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والبولندية، وكان مهتمًا بتاريخ العلوم، وخاصة دراسة مساهمات علماء العرب في القرون الوسطى، ومع تلميذه محمد مرسي أحمد نشر كتاب عن الخوارزمي "كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة".

عند وفاته، سار طلابه محتشدين في مسيرة صامتة حاملين لافتات "شهيد العلم والجامعة"، كان معتدًا بنفسه، وكانت آخر كلماته بالغة التأثير: "ليس العلم مجرد حقائق ونظريات، بل العلم قبل كل شيء طريقة خاصة في التفكير.. هذه الطريقة هي ما نسميه العقلية العلمية ونحن أحوج ما نكون إلى هذه العقلية العلمية في ظرفنا الحاضر، لكي ننظم حياتنا على أسس علمية من  الحق والمنطق، بعيدًا عن زخرف القول سليمة من الزلل، حتى إذا ما هبت العواصف لم تجد فينا ميلا ولا وهنا، وخرجنا بها واثقين من أنفسنا، فائزين منتصرين باذن الله"..

عندما علم أينشتاين، بوفاته قال: لا تقولوا إن مشرفة مات، إن كان هذا الخبر صحيحًا فقد مات نصف العلم، لا يمكنني التصديق بأن مشرفة مات، كان شخصية عبقرية بطموحاته.. أعزي العالم في الخسارة العلمية الكبيرة.. 

إن اسمه وإنجازاته لن تنسى أبدًا، وهو خسارة كبيرة، كان عبقريًا، وكنت متابعًا لأبحاثه في مجال الطاقة الذرية، وبالتأكيد فهو واحد من أفضل العلماء في الفيزياء".

لكننا نهمل ونتجاهل هذا العالم و أوراقه وأبحاثه، التي لم تجد مكانًا ومستقرًا لها سوى مكتبة الإسكندرية، مقدرة  لقيمة الرجل وعلمه، إلا أن المكتبة ليست معملًا لترجمة أبحاثه، وتطبيقها وتطويرها وتوظيفها للحياة، فكل ما تفعله المكتبة هو إلقاء الضوء على الرجل وأعماله وبحوثه، ومكان أبحاثه المنطقي، والطبيعي هو جهة بحثية أو جامعة أو كيان علمي يكمل ويوجه شباب الباحثين، للاستفادة من هذا التراث العلمي والبحثي ليضيف ويساهم في نهضة الوطن.

مازال هناك وقت لإصلاح نمط القيم الذي يتهاوى في ظل متغيرات من كل اتجاه، فلنعد تأكيد مكانة العلم قبل الغناء، والمعامل البحثية قبل ملاعب الكرة..

ولعل جامعته، "جامعة القاهرة" تبادر لتكون الأكثر اهتمامًا بميراث هذا الرجل وتراثه المتميز فائق الندرة، بإنشاء كلية باسمه، وقد تفعل جامعة النيل الأهلية "البحثية" لتدرك قيمة هذا العالم العلمية، أو تقيم الدولة جامعة بحثية تحمل اسمه.​

يتردد قول مأثور: لا كرامة  لنبي أو لعالم في وطنه، فهل نتدارك ذلك مع العالم "مشرفة" ونحن نسعى الى الوصول ببلدنا الى الأفضل كما كان يتمنى ويعمل..

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة