ذاكرة التاريخ

926 عامًا على انطلاق «الحملات الصليبية».. تعرف على خطاب أوربان الذى أشعل أبشع حروب التاريخ؟

27-11-2021 | 11:17
 عامًا على انطلاق ;الحملات الصليبية; تعرف على خطاب أوربان الذى أشعل أبشع حروب التاريخ؟ الحروب الصليبة - تعبيرية
أحمد عادل

 الكلمة.. ما أبسط حروفها.. وما أشد وقعها على النفس!، ربما كانت سببًا فى شد الههم للرقي والتقدم، وربما ساقت مستمعيها إلى الخراب وخوض حمامات الدم.. نحن الآن في 27 نوفمبر عام 1095م/ 488هـ، وتحديدًا بالمجمع الكنسي لمدينة كليرمونت الفرنسية، نحجز مكاننا بين آلاف المحتشدين من المزارعين الذين ألقوا مناجلهم للاستماع إلى خطاب البابا أوربان الثاني.. خطابًا لن يكون عاديا بل سيشعل العالم لقرنين من الزمان بـ"الحروب الصليبية"، ولن تقف تداعيات هذه الخطبة عند العصور الوسطى، بل ستتعداها إلى وقتنا الراهن.

بالنسبة إلى البابا أوربان الثاني، فإن ازدحام الأفكار فى رأسه منذ سنوات التحاقه بالعمل الكنسي، جعلتها أكثر تحديدا وانسجامًا، وبالتالي، فإن عرضها بشكل حماسى، سيترك وقعه على نفوس البسطاء الذين يتوقون للخلاص من ذنوبهم، فالرجل يريد أن يبسط نفوذ الباباوية على سائر ملوك أوروبا، بشكل يضمن للكنيسة تحقيق السلطة السياسية والروحية فى آن واحد، يمنح صك الغفران في الوقت الذي يمسك فيه سيفا للقتال، فلا شيء ينقذ أوروبا من الجهل والفقر والضعف غير إطلاق الحرب الصليبية على العالم الإسلامي.

إن هذه الحرب الصليبية لها دوافعها الدفينة عند أوربان الذي تولى البابوية، وجلس على كرسي الفاتيكان بين عامي "1088- 1099م" ، بل وإن الظروف ربما لن تسعفه مرة أخرى إذا ما تأخر قليلا، فإلى جانب استعادة سلطة الكنيسة العسكرية والسياسية على كامل أوروبا، سيكون بمقدورها ضمان الأموال لها ولأوروبا الفقيرة عبر ثروات الشرق، كما أن البابا لا يريد أن تتمكن بعض الدول الإسلامية الناشئة مثل السلاجقة فى العراق والشام، والمرابطين في المغرب والأندلس"إسبانيا الحالية" في تكوين قوى جديدة تنقض على أوروبا.

رأى البابا، أن الفرصة سانحة لضم الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية إلى كنيسته الكاثوليكية تحت كرسيه، فهو صاحب الدعوة لإنقاذ النصارى الشرقيين من المسلمين، بالإضافة إلى أنه لن يضره شيئا إذا ما تعرضت الجيوش الأوروبية للهزيمة، وقتل الآلاف من شعبه نظير تلك الأهداف النبيلة التي سيعلنها في خطابه من أجل إنقاذ قبر المسيح، ورفع الاضطهاد عن نصارى المشرق الذين يواجهون صنوف العذاب من المسلمين، الذين نعتهم بـ "الكفار" ـ بحسب وصفه ـ .

وقد سهل استنجاد إمبراطور الدولة البيزنطية إلكسيوس كومنين بالبابا من هجوم السلاجقة المسلمين على القسطنطينية "أسطنبول الحالية"، خاصة بعد أن أوقعوا بالدولة البيزنطية هزيمة مروعة فى موقعة "ملاذ كرد" عام 463هـ / 1071 بقيادة السلطان ألب أرسلان، كادت أن تُفضي بزوال الإمبراطورية، وهنا أدرك أوربان، أن بيزنطة لم تعد قادرة على حماية المسيحية والصليب، وبالتالي لابد من تدخل الكنيسة لحماية أوروبا.

كان البابا يملك نواصي الكلمات ويجيد ضرب العبارات الرنانة، ولديه شخصية كاريزمية تجيد الإقناع والتأثير، وفوق كل ذاك يُكن حقدا دفينا للإسلام والمسلمين، أقبل أوربان على مجمع كليرمونت بثوب الرهبان، ليلقى خطبة لن يجد الشيطان أفضل منها ليلقيها، خطبة، اعتبرها بعض مؤرخي الغرب، بأنها أعظم خطبة فى تاريخ البشر!، رغم أنها جعلت العالم يخوض في حمامات الدم، ولم ترد بها غير كلمات الحرب والقتل والدماء.

وقال أوربان مخاطبا الحشود الكبيرة: "أيها الجند المسيحيون، لقد كنتم دائما تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، أفيقوا فقد وجدتم اليوم داعيا حقيقيا للحرب، لقد كنتم سبب انزعاج مواطنيكم وقتا ما، فاذهبوا الآن وأزعجوا البرابرة، اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار، واغسلوا أيديكم بدمائهم، إنكم إن انتصرتم على عدوكم كانت لكم ممالك الشرق ميراثًا، وإن أنتم خذلتم فستموتون حيث مات اليسوع، فلا ينساكم الرب برحمته" .

بل إن البابا أوجد خلال هذه الخطبة ما يسمى عند الكاثوليك بـ"صكوك الغفران"، ولم تكن موجودة قبل ذلك، ومنحها لكل من يذهب محاربا فى تلك الحملات الصليبية، وأكمل قائلا:"إذا دعاكم الرب اليسوع إلى مساعدته، فلا تتواروا في بيوتكم متقاعدين، ولا تفكروا في شيء إلا فيما وقع فيه إخوانكم المسيحيون من الذل والهوان والمسكنة، ولا تستمعوا إلا إلى القدس وزفراته، واذكروا جيدا ما قاله لكم المسيح:" ،"ومن لا يحمل صليبه، ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا".

أما الجموع في كلير مونت، فقد استمعت لخطاب البابا بتأثر بالغ، فتارة منصتة، وتارة تغلبها الدموع الممزوجة بالحماس الديني، وأخرى قاسمة بعزة الصليب على قتال المسلمين، أما الأهواء فقد توزعت رغم توحدها خلف صريخ البابا، بين فلاح يطمع في نيل الغفران، وتاجر يطمع في كنوز الشام ومصر والعراق، ومغامر يريد أن يقضى وقتا تحت شمس الشرق الساطعة بعيدا عن سحاب الجهل والفقر في أوروبا، وقادة طامحين لرسم مستقبلهم السياسي والعسكري.

نجح البابا فى خطابه، وأشهرت السيوف، إيذانا بالمسير نحو العالم الإسلامي، حملة صليبية محكمة دُعى لها سائر ملوك أوروبا، لكن البابا أعفى منها ملوك إسبانيا من المشاركة فقد عهد إليهم بمهمة استرداد الأندلس من المسلمين، وأطلق على هذه الحرب فى إسبانيا "حرب الاسترداد المقدسة"، وأوعز إليهم بقتال دولة التي كانت تحكم الأندلس والمغرب العربي.

لم يكتف أوربان بخطابه، بل أسند إلى اثنين من أخلص رهبانه مهمة تجنيد الفلاحين والعامة في أوروبا، وهما "بطرس الناسك" و"والتر المُفلس"، وكانا يبديان التقشف والزهد، ويملكان زمام الخطابة تماما ككبيرهم أوربان، فتجمع لديهم الآلاف من العامة والغوغاء والأشرار، وعرفت هذه المجموعة بحملة "بطرس الناسك"، وسرعان ما وجهها البابا إلى القسطنطينية، فبادر الإمبراطور بالتخلص منهم فورًا عبر إرسالهم إلى حدود السلاجقة، فنالوا نهايتهم المروعة بسيوفهم، وكانت هذه الحملة تسبق الحملة الصليبية الأولى، ولكن كيف كان وضع العالم الإسلامي آنذاك؟.

مع انتهاء القرن الرابع الهجري، كان العالم الإسلامي يخطو خطواته نحو الفرقة والتناحر، فقد اكتظت الساحة بالخلفاء الذين لا يملكون من السلطة سوى اسمها، والسلاطين الذين نصبوا أوصياء على هؤلاء الخلفاء، فجعوا من أنفسهم دولة داخل الدولة، وعلى طول البلاد وعرضها كثرت الثورات، وانتشر المتمردين، ففي العراق كانت الخلافة العباسية في أقصى درجات الضعف، وصار الخليفة لقمة سائغة في أيدي السلاجقة، الذين حكموا العراق وإيران وأجزاء من الشام وآسيا الصغرى، وفى مصر كانت الخلافة الفاطمية تحكم الحجاز وأجزاء من المغرب والشام واليمن، وفى المغرب، كانت دولة المرابطين تحكم من تونس حتى شمال إسبانيا، وكل صاحب دولة من هؤلاء كان يخاطب باسم أمير المؤمنين!، وساعد هذا التفكك على تحقيق أطماع أوربان.

خاطب البابا سائر ملوك أوروبا، وحدد لهم موعدا للحملة الصليبية الأول فى يوليو 1096، أى بعد مؤتمر كليرمونت بثمانية أشهر، لتتجمع الجيوش في القسطنطينية، حتى يتسنى لها الوصول إلى الشام وفلسطين عبر آسيا الصغرى، وودع البابا الجيوش الصليبية الأربعة التقى بلغ عددها مليون مقاتل جاءوا من سائر أوروبا، ولاسيما من فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وفور وصولهم القسطنطينية أخذ عليهم الإمبراطور إلكسيوس أن يحكموا باسمه سائر الأراضي التي أخذها المسلمون من الروم منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

لم يستطع الجيش السلجوقي القوى مجابهة ذلك السيل الصليبي الجارف، وخسروا أراضيهم فى سهول الأناضول وآسيا الصغرى، وهنا ظهر من جديد الخلاف السني الشيعي، فقد رفض الفاطميون "الشيعة" بزعامة الوزير الأفضل بن بدر الجمالي نجدة السلاجقة أتباع العباسيين"السنة".. شرخ طائفي قديم يتجدد يدفع ضريبته العالم الإسلامي اليوم مثلما دفعها بالأمس.

سارع الصليبيون بنشر القتل والدمار أينما حلوا، ونجحوا بتأسيس أول إمارة صليبية، وهى الرُّها، ثم تبعوها بإمارة أنطاكية بعد ثمانية أشهر عام 1097، ثم طرابلس، إلى أن شقوا طريقهم نحو بيت المقدس، حيث كانت الحامية الفاطمية تدافع باستماتة عن أول القبلتين، وثالث الحرمين، دافعت، والوزير الأفضل بن بدر الجمالي يعض أنامله أسفا كونه رفض نجدة السلاجقة، ولسان حاله يقول"أُكلت يوم أكل الثور الأبيض".

وحين سقطت القدس فى 23 شعبان عام 492هـ ، أى بعد خطاب أوربان المشئوم بأربع سنين، أوسع الصليبيون سكان المدينة قتلا وحرقا ونهبا، فقتلوا 70 ألفا من عباد المسلمين، وزهادهم ممن لاذوا بالحرم القدسي، حتى إن المؤرخ الفرنسي ريموند أوف جيل، قال إنه لم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء القتلى إلا بصعوبة بالغة، وإن دماء القتلى بلغت ركبتيه حين توجه لزيارة ساحة المعبد غداة تلك المذبحة، هكذا يقول مؤرخوهم، وهى ذات الأوصاف التي قدمها مؤرخون مسلمون مثل ابن كثير وابن عساكر وغيرهم.

وظلت رحى الحروب الصليبية دائرة 196 عامًا، شًن على الشرق خلالها 7 حملات كبرى، وقدر للعالم الإسلامي أن يحارب الصليبيين والتتار مجتمعين، حتى نجح السلطان الأشرف خليل بن قلاوون من تطهير الشرق من الصليبيين بجلائهم عن عكا عام 691هـ .

تابعونا على
كلمات البحث
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة