آراء

نجلاء محفوظ تكتب: الحب والانتحار

27-11-2021 | 01:05

انتحر "اليوتيوبر" العراقي "حمودي المولى" (18عاما) لعدم زواجه بمن أحبها؛ شنق نفسه ونشر قبل انتحاره جزءًا من عمل درامي يتحدث عن الموت بسبب الانفصال عن المحبوب!! وصورة لمقبرة مكتوبًا عليها: نهاية المطاف!!

 
اشتهر "حمودي" بفيديوهاته المرحة وبأغانيه العاطفية التي ينهيها بضحكاته، ويتابعه 52 ألفًا..
المؤلم أنه رغم صغر سنه ومرحه وحبه للحياة وشهرته وحب الكثيرين له إلا أنه أوقع نفسه بالخطأ الشائع؛ وصدق ما يقال بالأغاني والأفلام بأن الحب لن يتكرر وغيابه يساوي الموت، وتجاهل أن مطربين وممثلين أقاموا علاقات حب وتزوج بعضهم عدة مرات، وصرح بعضهم بأن ما يقدمونه هو لـ"أكل العيش"!!
 
صدق "حمودي" أكذوبة أن الحياة بلا حب مع الجنس الآخر مستحيلة أو أن فشل الحب أو ابتعاد الطرف الآخر دليل على عدم استحقاقه للحب ومؤشر على تكرار الفشل مستقبلا ولن يستطيع نسيانه وسيموت ببطء وهو يراه مرتبطا بغيره، وكارثة "كسرت" ظهره ولن يتمكن من العيش ولا من مواجهة من يعرفون "بقصة" حبه..
 
وقد لحقه العار بتخلي من أحب عنه واختياره لغيره ليقاسمه حياته ويمنحه حبه ومشاعره ويقيمان الجنة على الأرض، بينما يشقى هو وحده - بالجحيم - على الأرض ويكابد شماتة الأعداء ويتألم من إشفاق الأصدقاء..
 
يبالغ البعض - من الجنسين - فيربط انتهاء تجربة عاطفية بالفشل الذي سيلاحقه طوال العمر؛ ومؤلم أن بعضهم يسارع بانتحار من نوع آخر يكلفه الكثير من المشاعر وضياع السمعة "وانتهاك" عمره ونقصد به توريط نفسه بعلاقات عاطفية عابرة ليثبت لنفسه قبل الآخرين أنه "مرغوب" من الجنس الآخر؛ ويتجاهل بكامل إرادته أن هناك البعض - من الجنسين - يرحب ويشجع ويتجاوب بسرعة مع من يلمس احتياجه لإثبات أنه مرغوب؛ فهو "ضحية" مثالية لكل عابث ومستغل وباحث عن نزوة تمنحه إشباعًا سريعًا ويتركه ليبحث عن غيره بلا شعور بالذنب أو تأنيب للضمير..
 
ساهمت وسائل التواصل بالضغط النفسي المتواصل على الشباب من الجنسين ومنذ الطفولة أيضًا؛ فزرعت بعقولهم أن من لا يعيش قصة حب مع الجنس الآخر هو شخص محروم بكل ما تعنيه الكلمة؛ وكأن الحب هو أوكسجين الحياة "ويختنق" من لم يعشه، ولا ننكر أنه أحد روافد السعادة؛ ولكنه ليس الوحيد..
 
الحب الناجح لابد أن يسبقه فهم الشاب والبنت للنفس ولاحتياجاته من الطرف الآخر والتمهل قبل "إلقاء" مشاعره لأول إعجاب، والتفرقة بين الإعجاب والحب؛ فالأول كثيرًا ما يكون خادعًا، فيأتي للانبهار بتصرف لطيف أو لوسامة الشاب أو لجمال البنت وللجاذبية، ويحدث الحب بعد التعرف "الجيد" على شخصية الطرف الآخر والتأكد أنه "يستحق" الحب والأهم أنه "يجيد" تقديره ولا يتلاعب بالمحب فيرى حبه أمرًا عاديًا ولا يعطيه الاحترام الذي يليق به ويخطط لمستقبل مشترك "ويمتلك" الأدوات التي تحققه..
 
المؤلم أن "حمودي" ليس الوحيد ولا آخر من سينتحر؛ فقد سبقه الكثيرون من الجنسين بمصر وبالعالم العربي وكانوا ضحايا بكل ما تعنيه الكلمة لمن زرعوا بقصد أو بلا تعمد بعقولهم وقلوبهم أنهم لا شيء بدون حب من الجنس الآخر، وأنهم يستمدون وجودهم بالحياة من نجاحهم العاطفي بالجنس الآخر، ويتناسون أن الحب "تراكمي" ويبدأ بحب الشاب والبنت للنفس وللأسرة ولنجاحه بالحياة؛ وعندما يحقق ذلك سيستمتع بقدر جيد من "الشبع" العاطفي ليحسن اختيار من يقرر بكامل إرادته وبموافقة عقله أيضًا ومنحه مشاعره..
 
ولن يكون كالجائع الذي يتلقف "بلهفة" أول طعام يراه ولا ينتبه لكونه سامًا أو ضارًا؛ ويحدث ذلك - مع الأسف - مع أكثر علاقات الحب المبكرة التي تكلف صاحبها - من الجنسين - الكثير من المعاناة وقد تفقده الثقة بالنفس أو بالجنس الآخر وأحيانا يفقد الثقة بالاثنين..
 
يشعر البعض تحت الضغط النفسي بضرورة الارتباط العاطفي بأنه قليل وغير طبيعي لأنه لم يدخل بعلاقات عاطفية لا يقتنع بجدواها كما أخبرني بعض الشباب والبنات!!
 
يغيب عن الكثيرين أن انتهاء تجربة عاطفية بالابتعاد كثيرا ما يكون في مصلحة من تعرض للهجر أو للغدر أو للابتعاد رغما عنه؛ فطول بقائه مع "الغادر" سيزيد من تألمه عند قيام الآخير بطعنه؛ فكثرة الاعتياد تزيد وجع البعد والعكس صحيح؛ فتزيد التوقعات وأحلام الاستمرار تتويج الحب بالزواج، فضلا عن اعتياده مشاركة الطرف الآخر له بتفاصيل حياته اليومية..
 
وهنا يأتي أهمية التوازن بالعلاقات والتوقف عن الخطأ القاتل باختزال الحياة والسعادة والحب والتخطيط للمستقبل بوجود شخص واحد والتوهم بأن لا حياة بدونه؛ وهذا يضعفه أمام من يحب ويجعله حتى مع استمرار الارتباط مستعدًا للتنازلات بكل أنواعها وراغبًا بتقبل الإساءات ومتجاهلا لحقوقه؛ فقط مقابل استمرار الارتباط، وهذا وحده كافيا لتحويله لعبد من عبيد العاطفة ومحرضًا للطرف الآخر على الاستهانة به والتعامل معه "كشيء مضمون" لن يجرؤ على التفكير بالابتعاد مهما فعل به..
 
لذا لابد من التوازن بالعلاقات وحب النفس وتذكيرها بالعزة وبالكرامة وإقامة علاقات ناجحة مع النفس والأسرة والأصدقاء وتذكر قول الإمام علي "كرم الله وجهه": "إذا وضعت أحدًا فوق قدره فتوقع أن يضعك دون قدرك".

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
نجلاء محفوظ تكتب: تشرشل .. وصناعة الانتصارات

حلم برئاسة الوزارة وهو طفل برياض الأطفال، وقبل بها وهو بالسادسة والستين من عمره، وكان يعرف أن ترشيحه حدث لأن السفينة تغرق ، وليس حبًا له أو إيمانًا به

نجلاء محفوظ تكتب: الذكريات المؤلمة والعمر

يتجاهل البعض ذكرياتهم المؤلمة؛ ظنًا أنها ستختفي من تلقاء نفسها، ولا شيء يختفي بالتجاهل؛ فستختبئ وستكون كالجرح الذي لم نحسن علاجه، فلن يشفى وحده وستتكون تحته التهابات ؛ تبدأ بسيطة

نجلاء محفوظ تكتب: الأطفال والتشجيع والنجاح

كان ينتفض غضبًا من أولاده الذين لا يقدرون اهتمامه بهم وحرصه المتنامي دوما على تشجيعهم؛ صرخ قائلًا: لا أنسي قسوة أبي وجموده العاطفي وكيف قابل فرحتي بتفوقي واحتلالي المركز الأول

نجلاء محفوظ تكتب: الأزمات والدعم الخارجي

نرتبك جميعًا عندما تقتحم الأزمات حياتنا؛ ويزداد الارتباك إذا تتابعت الأزمات.. يسارع البعض للبحث عن الدعم الخارجي؛ ويتوقع تعاطفًا كبيرًا وتفرغًا لدعمه ممن يحبهم ويحبونه

نجلاء محفوظ تكتب: اصنع "فانوسك" بالعام الجديد

أيام ويأتي عام جديد؛ يستقبله البعض بحماس زائد ويلقاه آخرون بلا مبالاة ويقذفه غيرهم بوابل من التشاؤم ولسان حالهم يقول: لن نثق بك

نجلاء محفوظ تكتب: هل تعقد حياتك؟

يميل البشر إلى تعقيد حياتهم؛ وكأن حياتهم ليست معقدة بما يكفي هذا ما قاله الروائي الإسباني كارلوس زافون .. وقال تولستوي الأديب الروسي الشهير: الطرقات مضاءة بشكل جيد؛ لكن الجميع تائه ..

نجلاء محفوظ تكتب: مانديلا وصناعة القوة النفسية

يعرف الكثيرون مانديلا كزعيم تحدى العنصرية وتحمل السجن 27عامًا وصمد حتى حقق التحرر لوطنه، ونقدم بالأسطر التالية عن الوقود الذي كان يحركه ويدعمه ويأخذ

نجلاء محفوظ تكتب: شروط الصداقة مع الأبناء

تزداد الحاجة لتوطيد العلاقات مع الأبناء في وسط التسارع المحموم لضغوط الحياة والتأثير المتزايد بقوة لوسائل التواصل الاجتماعي وللفضائيات ولأصدقاء الأبناء

نجلاء محفوظ تكتب: الزوجات والأزواج والأهل

تزايدت نسبة الطلاق منذ سنوات وتضاعفت حدة المشاكل الزوجية؛ وتشكل علاقة كل من الزوجين بأهل الطرف الآخر قبل الزواج وبعده أحد أهم أسباب نجاح الزواج أو - لا

نجلاء محفوظ تكتب: دوستويفسكي .. حدوتة التحدي والنجاح

يمثل دوستويفسكي نموذجًا رائعًا لتحدي معوقات النجاح والانتصار عليها؛ ويختزله البعض في رائعته الأخوة كرامازوف أو روايته المبهرة الجريمة والعقاب ، والمؤكد

نجلاء محفوظ تكتب: المطلقة بين "معلش" والانهيار

كتبت مطلقة شابة على منتدى نسائي شهير على الإنترنت تشكو بمرارة مؤلمة أن لا أحد يقول لها معلش بعد طلاقها، وحكت عن معاناتها وكيف تنهار أحيانا أمام طفلتها..

نجلاء محفوظ تكتب: وسائل التواصل "والرغي"

يهرب الكثيرون من الجنسين وبكل الأعمار ومن مختلف أنحاء العالم لوسائل التواصل الاجتماعي للتخلص مما يضايقهم، ولتفريغ العقول مما يجهدها وللفوز بأوقات جيدة

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة