ذاكرة التاريخ

قبل 80 عامًا من احتفالية طريق الكباش.. كيف أبدع موسيقار الأجيال رائعة «الكرنك»؟ | فيديو وصور

26-11-2021 | 19:57
قبل  عامًا من احتفالية طريق الكباش كيف أبدع موسيقار الأجيال رائعة ;الكرنك;؟ | فيديو وصورالموسيقار محمد عبدالوهاب
أحمد عادل

مثّل ظهور موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب على الساحة الفنية تاريخًا جديدًا لموسيقانا الشرقية؛ ليس لعامل التجديد اللحني، وهو أقوى العوامل بلا شك، ولكنه استطاع أن يتواجد فى جميع القوالب الموسيقة من الطقطوقة إلى الموال، ومن القصائد إلى الأغاني العصرية.

ومثلما كان ظهور عبد الوهاب تاريخا فى حد ذاته، فقد أولى اهتمامًا كبيرًا بالتاريخ فى أغانيه، والحق أنه دلف إلى هذا التاريخ من خلال «باب القصائد».

فى شتاء ١٩٤٠م، كان الشاعر أحمد فتحي قد أعد قصيدة شعرية بعنوان «الكرنك» تلقفها منه الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي رآها امتدادا لقصيدة «الجندول» التى صاغها الشاعر علي محمود طه، فقد كتبها على نفس النمط الفرعوني، الذي يُمجد الحضارة المصرية القديمة.


الموسيقار محمد عبدالوهاب

فى القاهرة كانت أجواء الحرب العالمية الثانية لا تدع مجالاـ للإبداع، فقد انتقلت إليها أصداء المعارك بين قوات الحلفاء والمحور، فلا صوت يعلو فوق صوت القنابل والغارات والملاجئ. 

هنالك قرر عبد الوهاب أن يسافر إلى الأقصر، فلن يكون بمقدوره تلحين قصيدة الكرنك إلا فى معبد الكرنك ذاته.

لم يرحل عبد الوهاب إلى الأقصر بمفرده، فقد فاتح صديقه السياسي المخضرم مكرم عبيد باشا بالأمر، فتصادف أن زمرة وفدية بزعامة مصطفى باشا النحاس ستسافر إلى هناك؛ لقضاء عطلة نهاية العام فى ديسمبر ١٩٤٠م، بعيدا عن الأجواء السياسية المشتعلة بين الساسة حول تأييد الحلفاء والمحور، والتى وصلت إلى حد المراهنات لانتصار فريق على آخر.

يقول النحاس باشا فى مذكراته عن تلك الرحلة:«زُرنا الآثار فى البر الغربى، ووقفنا طويلا عند تابوت الملك الشاب توت عنخ آمون، وأخذنا نتذكر تاريخه.. ثم أتممنا الرحلة بزيارة معبد الكرنك، وتفرجنا على ما فيه من آثار تدل على عظمة المصريين القدماء وتاريخهم المُشرق الوضاء".


الموسيقار محمد عبدالوهاب

"وفى المساء اجتمع الأقباط فى الصالة الكبرى واحتفلوا بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، ودعونا لمشاركتهم فلبيت الدعوة، وقد شنّف أسماعنا المطرب محمد عبد الوهاب الذى كان حاضرا بأغنية جميلة لحنها خصيصا لهذا الحفل".

لقد حمل محمد عبد الوهاب عوده، متوجها إلى فندق وينتر بالاس الأقصري العريق الملاصق لمعبد الكرنك، حيث أراد توظيف عبق المكان فى تجليات اللحن.

وهناك فى الكرنك، تجول عبد الوهاب عدة أيام بين طريق الكباش ومسلات المعبد، لقد أحسّ بالتأكيد بجلال ورهبة المكان، وكأن صوت كهنة أمون يدندن له باللحن الوليد من "قدس الأقداس"، بدأ هذا واضحا عندما يغني:

أين يا أطلال جند الغابر .. أين أمون وصوت الراهب؟

وفى إحدى مقابلات الموسيقار إلياس سحاب بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عن هذا البيت تحديدا، قال له إنه أمضى أيامًا لا يفعل شيئًا سوى الانتقال من غرفته بوينتر بالاس إلى المعبد، يتجول ويدندن، ثم يعود ليكتب تلك الجمل اللحمية على النوتة ويعزفها على العود.

وعندما وصل عبد الوهاب في تلحين هذا المقطع، أجّل جولته في أركان الكرنك إلى لحظات الغروب، حتى تتم الجولة في لحظة حساسة يبدأ فيه الغياب المتدرج للظلام، حتى تكون انفعالاته أثناء التجوال في ذروة الغيبوبة الكاملة.


الموسيقار محمد عبدالوهاب

ساعد عبد الوهاب فى استغراقه اللحني هذا أن الكلمات التى صاغها الشاعر أحمد فتحي جاءت فى سياق "حلم اليقظة"، وكأن من ينشدها يهيم على وجهه بين ردهات المعبد، حيث تقول مقدمتها:

حلم لاح لعين الساهر ـ وتهادى فى خيال عابر
وهفا بين سكون الخاطر ـ يصل الماضي بيمن الحاضر

منذ الوهلة الأولى، أراد مطرب الملوك والأمراء أن ينفى عن نفسه تهمة التأثير الغربي عن مسيرة التجديد الموسيقي التى يقودها؛ لذا فقد آثر أن يكون لحن القصيدة ذو التراث الفرعوني نابعا من دوحة الألحان العربية.

ولهذا السبب بنى قصيدته على مقام شرقي خالص هو الكورد، ثم قام بإلغاء حركة "النصف تون" الموسيقية ليصل إلى السلم الموسيقى الخماسي الذى يناسب الجو الفرعوني، ونجده واضحا مع المقدمة الأوركسترالية للقصيدة، بحسب ما ذكر الموسيقار عمار الشريعي فى برنامجه " غواص فى بحر النغم".

كان أول ما فعله عبد الوهاب بعد تلحين هذه القصيدة، هو أن دعا رفاقه من السياسيين والأدباء والصحفيين إلى سعرة بفندق وينتظر بالاس، حيث غنى القصيدة لأول مرة.

وما أن أقبل يوم السابع من يناير عام ١٩٤١م حتى قام عبد الوهاب بتسجيل القصيدة الخالدة «الكرنك» على مسرح معهد فؤاد الأول للموسيقى"معهد الموسيقى العربية" بشارع رمسيس.

وقد سُجلت الأغنية على شريط الصلب، وكان حينذاك أحدث صيحات التسجيل، فلما نُقلت تلك الأغنية من الشريط الصلب إلى مكتبة الإذاعة تسبب هذا فى صوت "الوش" البسيط الذى يلازم الأغنية، ورغم أنه عيبا تقنيا، لكن مع الوقت أصبح يحمل نوعا من  العراقة والحنين إلى الماضي. 


رائعة الكرنك

وهكذا أبصرت قصيدة «الكرنك» النور، لتصبح إلى جانب أختيها «الجندول» و«كليوباترا» محاولة  وهابية لبيان عظمة الحضارة المصرية. 

تابعونا على
كلمات البحث
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة