آراء

شريف عارف يكتب: أغاني المهرجانات .. المنع وحده لايكفي

23-11-2021 | 17:48

قلبي مع نقيب الموسيقيين الفنان الكبير هاني شاكر، في قرار مجلس نقابة المهن الموسيقية، بمنع عدد من المؤدين الشعبيين من العمل، والمعروفين بـ "مغني المهرجانات"، وسحب تصاريحهم للغناء، وهو القرار الذي ضم لأول مرة 19 اسماً من "مؤدي المهرجانات" وهم: حمو بيكا، وحسن شاكوش، وكزبرة، وحنجرة، ومسلم، وأبو ليلة، وأحمد قاسم فيلو، وأحمد موزة، وحمو طيخة، وريشا كوستا، وسمارة، وشواحة، وولاد سليم، والعصابة، والزعيم، وعلاء فيفتي، وفرقة الكعب العالي، ومجدي شطة، ووزة، وشكل، وعمرو حاحا، وعنبة.


حقيقة، القرار ليس وحده الحل، وكذلك حملات السخرية التي طالت الممنوعين من الغناء، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً من أسمائهم التي تبدو غريبة بعض الشيء، ولكنها جزء من حملات الدعاية لكل منهم.


القضية أكبر من كونها ظاهرة مجتمعية، غالباً ما تكون ناجمة عن معاناة مجتمعية، وفقدان القدوة، وهذا النوع من الأغاني لا يعيش طويلاً، ولكن خطره في التمادي، والتأثير على الأجيال.


ولهذا فإن سياسة المنع وحدها لن تكون ذات جدوى، بل إنها يمكن أن تساهم في عملية انتشار أكبر لهذه النوعية من "المهرجانات".


ومن الممكن أن نتفق مع قرار النقابة، فهي نقابة مهنية تستهدف حماية أعضائها وحماية المهنة.. ولكن ماذا عن حماية المجتمع من التمادي في إفساد الذوق العام؟!


هذا السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كمجتمع أولاً، قبل أن نوجهه للدولة المسئولة عن جودة "المصنفات الفنية" والحفاظ على قوة وتماسك هذا المجتمع، لأن فساد الذوق العام هو إفساد للهوية الوطنية التي يجب أن يشارك الجميع في الحفاظ عليها.


في مخططات تدمير هوية المجتمعات، التي تم تنفيذها عبر التاريخ، كان دائما الهدف هو اللغة  والثقافة المجتمعية، وهو أمر يجب أن تدركه الدولة المصرية جيداً، لأن القضية تعني المساس بالوعي الجمعي والانتماء الوطني.


الأزمة لا تهدد مصر وحدها، لكنها تهدد العالم أجمع والإمبراطويات الكبرى القديمة، وربما كان تأثير العولمة في الثقافة والهوية الوطنية من القضايا التي أقلقت الدول المتقدمة خلال النصف الثاني من القرن العشرين ولازال هذا القلق حاضراً حتى اليوم لدى بعض الدول، فمثلاً كندا ودول أوروبا، خافت في يوم من الأيام، أن تجتاحها الثقافة الأمريكية فتصبح نسخًا مكررة من أمريكا، وهو ما يعني طمس هويتها الثقافية، وذلك لأن الثقافة الوطنيّة مبدأ قوي ومهم في تأصيل انتماء الأفراد داخليًّا، ثم في مدّ جسور التفاهم والتعاون خارج حدود الدولة.


التهديد الذي يواجه مصر منذ العقد الأخير في القرن العشرين، يتمثل مباشرة في اللغة العربية، وهو مالم ينجح فيه الاحتلال مابين القرنين التاسع عشر والعشرين، اللغة العربية لم تعد تهددها العامية ولكن ما يطلق عليه "العامية الفرانكفونية"،  وهي الخليط بين العامية المصرية وبعض المصطلحات الأجنبية، التي تم مزجها بمصطلحات "الرفض المجتعمي" وطغيان الشكل المادي على القيم والعادات المجتمعية.


التهديد الأعظم، للثقافة المجتمعية المتمثلة في الفلكلور الشعبي والأغاني التراثية، المرتبطة والناتجة عن البيئة المصرية، فحتى عقود سابقة كانت هناك الأغنية الشعبية، التي تخصص فيها مطربون لهم أساليبهم الخاصة، ولم يكن الجمهور هنا من الطبقة الوسطى أو "ولاد البلد" فحسب، ولكن كل الطبقات، وبعض كبار المطربين كانوا يتنافسون في الغناء الشعبي.


وهنا أرى أن قرار المنع ضرورة، لكنه في ذات الوقت هو أضعف الحلول، لأن الممنوع مرغوب، وهناك من ينتظر هذا القرار ليبني عليه حملات دعائية تفوق آثار قرار المنع!


الحل الواقعي يجب أن يكون مجتمعياً، تشارك فيه منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية الكبرى، لأن الإضرار بالذوق العام، هو إضرار بالوطنية المصرية وإرثها وعمقها الحضاري .. ومستقبلها أيضاً..


المطلوب وقفة جماعية، لأن الكل مهدد.. وليس الموسيقيين وحدهم..




 



 

نقلاً عن الأهرام المسائي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
شريف عارف يكتب: دعوة من "الأقصر" لإعادة اكتشاف قدراتنا

ماشهدته مصر خلال الأيام القليلة الماضية، من ردود أفعال عالمية غير مسبوقة، عن إطلاق مشروع إعادة إحياء طريق الكباش بمحافظة الأقصر، يطرح تساؤلًا كبيرًا عن أهمية الحراك الثقافي لمصر الآن.

شريف عارف يكتب: تجديد "الخطاب الديني".. يبدأ من "المقاهي"

تابعت باهتمام الحملة، التي يقوم بها عدد من دعاة الأزهر الشريف، بالنزول إلى المقاهي والتحدث مع الناس، مما يسهم بشكل أو بآخر في قضية تجديد الخطاب الديني ، وهي من القضايا المهمة لمصر ومستقبلها الآن.

شريف عارف يكتب: "الشارقة للكتاب".. أمة تقرأ وتبدع

أعظم نتائج حرب أكتوبر المجيدة أنها وحدت العرب على كلمة واحدة وفعل واحد، ليس للانتصار على العدو، بقدر ماحققت انتصاراً أكبر على النفس. فقبل أكثر من خمسة

شريف عارف يكتب: " كنج مو".. إعادة هيكلة لأخلاق الرياضة

ربما كانت حكمة المولى عز وجل في أن يأتي الفرعون المصري ، من مصر العظيمة أصل الحضارات إلى قلب أوروبا وأقدم الإمبراطوريات، ليضرب المثل في مكارم الأخلاق،

شريف عارف يكتب: حديث الوعي في "مدينة الأشباح"

حديث فريد من نوعه دار مع اللواء عبد المجيد صقر محافظ السويس، على هامش الندوة التثقيفية، التي نظمتها جامعة السويس برئاسة الدكتور السيد الشرقاوي قبل أيام

شريف عارف يكتب: "حلاوة المولد" .. حلال شرعًا

لا ألوم دار الإفتاء المصرية، في إجابتها على السؤال الذي تناقلته وسائل الإعلام، خلال الأيام القليلة الماضية حول شرعية شراء وأكل حلوى المولد النبوي الشريف.

شريف عارف يكتب: سلامة الغذاء .. قضية أمن قومي

في اعتقادي أن تصريح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدم السماح بدخول أي منتجات رديئة أو منخفضة الجودة إلى مصر وفقًا للمعايير والموصفات العالمية، هو مقدمة

شريف عارف يكتب: "مسرح الهواة".. البداية من هنا

الهواية أصل الاحتراف، ولولا الهواة ما ظهرت الدراسات، ولما تأسست الأكاديميات التي تحول الممارسات إلى علم.. الفن الحقيقي، الذي يخرج من الشارع وإلى الشارع،

شريف عارف يكتب: ضحكات ناضجة .. وأفكار لن تموت

قالوا قديمًا إن الشعب المصري، هو شعب ابن نكتة ، ساخر بالفطرة من كل شيء، ويحول غضبه وأزماته إلى نكات ساخرة هذا هو السبب فى بقاء النكتة عمومًا والسياسية

شريف عارف يكتب: عن "سيرة بورسعيد" .. والحراك الثقافي

على مدى الأيام القليلة الماضية، تشرفت بالمشاركة في معرض بورسعيد الرابع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج على ضمن

شريف عارف يكتب: "ثقافة مصرية" بمواصفات عالمية

ملامح بسيطة من مشروع عظيم وعملاق، تلك التي بدت أثناء زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام إلى مقر مدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية الجديدة.

شريف عارف يكتب: "دكاكين الفضائيات" .. وأخلاقيات التيك توك

قبل أيام ودعنا واحداً من جيل الرواد في العمل الإعلامي، وصوتاً إذاعياً فريداً، ارتبطنا به وبفكره في سنوات الحرب والسلام.. الإذاعي الكبير حمدي الكنيسي، كان

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة