آراء

عبد السلام فاروق يكتب: العرب والغرب والثقافة

22-11-2021 | 14:41

العرب هم الأقدم والأكثر عراقة ورسوخًا، تاريخيًا، من الغرب.. سبَقونا نعم، في التكنولوجيا والتقنيات والصناعات والفنون والآداب، لكن اللحاق بالركب ممكن، لا تنقصنا الإمكانات ولا الموارد البشرية أو المادية، فماذا ننتظر؟

في مجال الثقافة بالذات، نستطيع تطوير أنفسنا، وبإمكاننا عمل الكثير، ولدينا بالفعل مخزون هائل من المنتجات الثقافية، وقدرة على إنتاج المزيد، لكن المطلوب هو السوق الاستهلاكية التي تستوعب هذا الإنتاج، مطلوب فتح نوافذ تجارية وتسويقية جديدة، وأن يتم هذا على يد متخصصين، وأن يتم مبكرًا.. والأيام كفيلة بتطوير الفكرة الوليدة شيئًا فشيئًا حتى تثمر وتنمو تلقائيًا.

 الفكرة قديمة جديدة، وهي فكرة اقتصادية معروفة، فكرة الاندماج، إن المطلوب حقًا هو دمج الثقافات، وأن نتعلم ثقافة الدمج والتجميع والتعاون والتشارك من أجل التنمية والتطوير والتحديث والرقي، ما زال أمامنا طريق طويل، لا بأس، لكن من الخطأ أن نتأخر في المسير.

اللغة والأدب .. هل يستحقان؟

الأدب واللغة ركيزتان من ركائز الحياة الثقافية. لكنهما يعانيان الإهمال الشديد، هناك مَجمع لغوي يهتم ببحوث اللغة وصياغة القوانين للحفاظ عليها، والأزهر الشريف يحرص على جزالة اللغة نطقًا وكتابةً وأداءً، والأدباء بطبيعة الحال يميلون للحفاظ على الفصحى، وإن كانت اللهجات العامية قد بدأت في التسلل للأعمال الأدبية بشكل يهدد الحياة الأدبية ولا يهدد الفصحي، فالفصحى أرسخ وأعرق من أن تصاب بالجفاف أو تُهدَّد بالانقراض أو أن تتحول - كما يدعي البعض - من لغة حية إلى لغة مهمَلة، المجمع اللغوي والأدباء والأزهر جهودهم مُقدَّرة، لكنها ليست كافية.

السؤال الذي ينبغي طرحه: هل هناك اهتمام من الحكومات باللغة والأدب؟.. إن الجهود الفردية المشتتة ليس بإمكانها النهوض بهما، هذا دور الحكومات، فهل هناك حكومات عربية مقتنعة حقًا بأهمية الأدب واللغة العربية الفصحى؟ هل العرب يرون أن اللغة العربية والأدب العربي يستحقان الاهتمام بوضعهما على جدول الأولويات؟.. لو لم يكونوا قد فعلوا، فعليهم بذل كل الجهد في إحياء اللغة الفصحى ليس حبًا وإجلالًا وامتنانًا فحسب، وإنما لأن اللغة هي السبيل الوحيد لتحقيق طفرة هائلة في الاقتصاد الثقافي. أولًا: لأن اللهجات العامية في الوطن العربي، بل في البلد العربي الواحد، أكثر من أن تُحصي. ثانيًا: لأن إحياء اللغة والاعتزاز بها هو السبيل للتواصل مع الأسواق العالمية من خلال جهود الترجمة الحية أو تعريب المطبوعات.

إن قضية الاهتمام بالأدب واللغة ليست قضية فرعية في الشأن الثقافي، وإنما هي الخطوة الأولى الضرورية إذا شئنا للشأن الثقافي العربي رُقيًّا حقيقيًا.

أدوات وأهداف

الثقافة اليوم هي محرِّك رئيسي في عالَمَي السياسة والاقتصاد.. واللذانِ يتحكّمان في مصائر دول وحكومات وشعوب.. معنى هذا أن دور الثقافة كقوة ناعمة هائلة التأثير، عميقة الأبعاد والأهداف، هو دور لا يمكن إغفاله عند الحديث عن مفردات: كالتنمية والتطوير والاستثمار..

 دَعنا نأخذ هوليوود كمثال عريق وناجح ومستمر في نجاحه هذا: إنها تنفق يوميًا ملايين الدولارات، وتجني في المقابل مليارات، إضافةً إلى تأثيرها السياسي الهائل داخليًا وخارجيًا.. وممثل هوليوودي واحد من نجوم الصف الأول قد يكون ذا تأثير أقوى من قادة سياسيين لهم وزنهم.. فماذا نفهم من هذا؟

 ليس العصر الذهبي للثقافة العربية مِنّا ببعيد.. واسم واحد مثل (أم كلثوم)، أو (مصطفى أمين)، أو (نجيب محفوظ)، أو (عبد الوهاب)، أو (نجيب الريحانى) هي أسماء توزن بالذهب، والسبب.. أنّهم غَيّروا شكل الغناء والصحافة والأدب والتلحين والمسرح على الترتيب.

 معنى هذا أن صناعة الثقافة والمثقفين هي صناعة رائدة، وقد يكون لها دور أضخم وأكبر مما قد يتصوره البعض ممن يعتبرون "وزارة الثقافة" مثلًا من الوزارات الخدمية ضعيفة الباع والتأثير.. وهذا ما لا ينبغي أن يكون.

خذ على سبيل المثال لا الحصر.. مصطلح كـ "الغزو الثقافي" الذي يعود بنا إلى أيام الحرب الباردة بين المعسكرين الإمبريالي والشيوعي.. فهل العالَم اليوم يعمل وفقًا لنفس المعطيَات والآليات والقواعد والأفكار؟

قطعًا لا.. الأمر تطوَّر.. نحن اليوم نشهد "تداعيات" ما يعد بالغزو الثقافي.. فالغزو حدَث وانتهينا، لكنَّ الحرب مستمرة.. وهي تحدث في كل وقت وفي كل مكان، والجميع يشارك، يعلم أو لا يعلم، الجميع إمّا غازٍ أو مَغزوّ.

 اليوم هي حرب إليكترونية على مستوى فضاءات الأقمار الصناعية التي ترى كل شيء! أما عَنّا.. فنحن مشاهدون، نتفرّج على كل شيء، حتى على أنفسنا.. وإذا شئنا التحرك مع الرَكب المتقدم إلى الأمام، فعلينا أن نشارك ولو بالقليل.
 
[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عبد السلام فاروق يكتب: "قصر العثمانلي" .. يتحدى زواره!

تأتيني دائمًا أعمال كثيرة لمؤلفيها من الروائيين والمسرحيين والشعراء فلا تستوقفني كثيرًا ربما لأني ذي مزاج خاص في الكتب وقد يستوقفني عنوان أو صورة غلاف،

عبدالسلام فاروق يكتب: تكنولوجيا الاقتصاد الأخضر!!

الابتكار الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم عبارة عن آلة ذات منظومة متعددة المهام تخدم عددًا كبيرًا من الأغراض التي تمس قطاعات كبيرة وحيوية كالري والزراعة

عبدالسلام فاروق يكتب: مستقبل الصحافة!

دعونا نتفق أولاً أن الصحافة الورقية تمر بأزمة كبرى وأن هذه الأزمة عالمية واسعة النطاق، لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال فندّعي أن الأزمة لا وجود لها، ولا أن نبالغ فنقول: إنها أزمة بلا حلّ

عبد السلام فاروق يكتب: "وزير أبي الهول".. يسرد قصته في ربع قرن

قرأت كتابًا مهمًا أعادني لفترة التسعينيات.. حين كنت أبدأ خطواتي الأولى في مؤسسة الأهرام، الكتاب يمثل سيرة ذاتية لأحد أهم رموز الثقافة المصرية على مدى 25 سنة كاملة

عبدالسلام فاروق يكتب: سر الصنعة

يقال إن السعادة هي مقياس حضاري، وإن الدول المتحضرة دول سعيدة والسبب هو الوفرة والغنى والثروة، أما الناس في دول العالم الثالث فهي تبحث عن رغيف الخبز والكساء

عبدالسلام فاروق يكتب: بين الشهابين

عرف التراث المصري مؤرخًا شهيرًا هو (شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب النويري)، من قرية النويرة ببني سويف، وهو صاحب موسوعة (نهاية الأرب في فنون الأدب) في نحو

عبدالسلام فاروق يكتب: صراع الباسيفيك .. ما وراء الكواليس

اتضح أننا لا نعرف إلا أقل القليل؛ فبعد أن ظهرت وثائق ويكليكس ومن بعدها منذ أيام وثائق باندورا تأكد لنا أن عالم السياسة غارق حتى النخاع في مستنقع أسرار بعيد الغور

عبد السلام فاروق يكتب: أيام المجد والنصر

كم هي رائعة ذكري أيام المجد.. تراودني ذات المشاعر كلما هلت ذكريات البطولة والبسالة والنصر 6 أكتوبر 73، ذلك اليوم الذي اختلط فيه مسك الشهداء بدماء الأعداء،

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة ألغاز وأحاجي

ينتابني الفضول كثيرًا حول ما يحدث اليوم في أروقة العمل الثقافي في صورته الكبرى والعامة حتى يدفعني الفضول لتساؤل خبيث: ماذا لو أن مؤسسات الثقافة والنخبة

عبدالسلام فاروق يكتب: الماء صديقي

شجرة الأسئلة لم تتوقف يوما عن الإنبات وقد تغطت بغمامة خضراء من علامات الاستفهام منذ أن قيلت العبارة الشهيرة على لسان سياسي أمريكي مخضرم : أن حروب المستقبل هى حروب مياه

عبدالسلام فاروق يكتب: أهلًا بالعاصمة الذكية

هنا العبقرية والجمال والراحة والروائح العطرة والمناظر الخلابة والأبراج الشاهقة والحدائق والأنهار والأنوار كأنها الجنة. إنها مصر جديدة، وعاصمة جديدة كل

عبدالسلام فاروق يكتب: أنا والتنين

زرت الصين فيما زرت من بلدان ولم يعجبني المقام فيها، بعكس مقامى فى أمريكا.. لم تكن الصين وحدها بل الهند وماليزيا وتايلاند في آسيا، وفرنسا وإيطاليا فى أوروبا،

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة