راديو الاهرام

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: المناخ .. الصفرُ هدفًا

21-11-2021 | 16:29

اختلفت الروايات بشأن الصفر. قيل اخترعه الهنود، ونفي آخرون مؤكدين؛ بل العرب، واكتفي هو بالصمت، معتزًا بنفسه ومحافظًا على حياديته بين اليمين الموجب واليسار السالب. عجيب شأنه؛ بلا قيمة إن جمعته. ثقب أسود هائل إن ضَربته. يبتلعها مهما عَظُمَت.

على وقع إيقاعات صفر انبعاثات كربون، ونغمات حيادية الكربون، وتسبيحات عالم بلا كربون، عُقد المؤتمر  السادس والعشرين لتغيير المناخ، COP 26، بمدينة جلاسجو، تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة أكثر من مائة من قادة العالم، ومشاركين ناهز عددهم الثلاثين ألفًا. ليأتي من حيث الأهمية، بعد مؤتمر باريس، COP 21، ديسمبر 2015.

سنوات طويلة من الشد والجذب، الثابت فيها وعود دول صناعية بلون ألوان الطيف، ولهفة دول بين فقيرة تتضور جوعًا، وجُزر توشك على الغرق. عبر الإنترنت، ومن وسط الماء، ألقي وزير خارجية دولة توفالو (جزيرة بالمحيط الهادي) كلمة بلاده في المؤتمر، منبهًا أن الماء الذي يصل الآن إلى ركبتيه سوف يرتفع ليُخفي الجزيرة بالكامل بنهاية القرن، إن لم نكافح تغير المناخ.

يهدد ارتفاع درجة حرارة الكون أعلى من 1,5 درجة مئوية أكثر من أربعين دولة جُزرية (دول تتكون من جزيرة أو أكثر). كانت المادة 2-أ من اتفاقية باريس، قد نصت على "الإبقاء على ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية في حدود أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية.

حاليًا، سجلت درجة حرارة الكون زيادة 0,9 درجة مئوية مقارنة بمعدلات عام 1900، الاستمرار بنفس الوتيرة كفيل –على الأقل- بمضاعفتها، ليصبح العالم على المحك، وتصبح كثير من الدول الجزرية ماضٍ بلا أثر.

على الجانب التنفيذي، أثبتت الأيام أن ما أظهرته الدول الكبرى من حماس تجاه شقيقاتها النامية، يكفي لإشعال وقود أحلام اليقظة لا أكثر. ففي مبدأ (اللغة حمالة أوجه) براحٌ كبير.

وقف العالم على أطراف أصابعه أمام اعتراض الهند على الفقرة الخاصة بالفحم في اتفاقية جلاسجو، حين طلبت استبدال (التخفيض التدريجي) بدلا من (التخلص التدريجي) من الفحم. كان الدعم الصيني للهند واضحًا، وإن شئت الدقة؛ التنسيق المشترك بينهما، الأمر الذي أوشك معه رئيس المؤتمر، آللوك شارما، على البكاء، ومن ثم وصف الاتفاق بأنه (انتصار هش). في حين عقب رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون قائلاً (يشوب سعادتي خيبة أمل).

المفارقة أن بعض الدول المساندة للفحم، سبق وأعلنت أهدافها لتحقيق الحياد الكربوني وعلى رأسها الصين بحلول عام 2060، بينما شدت الهند خطًا عند عام 2070. لتظل العبرة بما تنتهجه الدول من آليات وليس ما تعلنه من أهداف.

يمر طريق الحياد الكربوني عبر عدة مستويات، الأول؛ آلية شفافة ومحايدة لتسجيل وتقييم الوضع الراهن من مصادر الانبعاثات تسمح بمتابعتها مستقبليًا. الثاني؛ صياغة مسارات ناجعة لخفض انبعاثات الكربون تشمل زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتطبيق معايير صارمة لكفاءة استخدام الطاقة، وزيادة الرقعة الزراعية، مع خفض انبعاثات المصادر الأحفورية. الثالث؛ تدبير التمويلات المالية اللازمة. الرابع؛ صياغة سياسات مرنة قادرة على جذب رءوس الأموال محلية كانت أو أجنبية من جهة، وبث رسائل طمأنينة للمستثمرين.

كعادتها، تراعي الاجتماعات الدولية الكبرى ترك الملفات مفتوحة على الطاولة، في انتظار وجوه جديدة تستخدم لغة مختلفة، أما الفعل فيبقى واحد. خطوة تنظيم. لا تغلقها فتتخفف من عبئها، ولا تهملها فتلام على فعلها. ومع تأخر الحسم يتلبد الأفق برماد كثيف يغشي أحلام حيادية الكربون. فلا تدري هل يتحقق صفر كربون، أم الصفر فقط !!.
 
  •  
  •  
  •  
  •  
نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة