Close ad

شريف سعيد يكتب: صعيدي في باريز (1- 2)

21-11-2021 | 16:42

عقب مرور ربع قرن على مغادرة الحملة الفرنسية مصر، كان الشاب القادم من الجنوب، هو مَن يركب البحر هذه المرة باتجاه مارسيليا، بالثاني عشر من إبريل/ نيسان سنة 1826، وبجلبابه وعمامته المُحكمة، وقف الصعيدي صاحب الخمسة وعشرين عامًا، عند حافة السفينة التي تحركتْ، يتدبر الإسكندرية التي تتلاشى وراءه، والغموض الذي ينتظره بالحافة الأخرى من اليم هناك! لم يكن يُدرك حرفًا فرنسيًا، كل ما كان يحفظه لحظتئذ، كلام شيخه "حسن" الذي أوصاه تدوين كل شيء عن سفرته، فكان كتابه البديع عن "باريز".

الصدفة وحدها قادت الأزهري - الذي كان واعظًا عاديًا بعساكر الجهادية - لهذه الرحلة التي ستُغير مجرى حياته، وفقًا لمحفوظات وزارة الخارجية في باريس، فقد انتهز والي مصر "محمد علي"، مرور السفينة الحربية الفرنسية "لاترويت"، وطلب من قبطانها "روبيار" اصطحاب أربعين شابًا في بعثة لفرنسا، ولم يكن بينهم الشاب ابن البلد! كان "محمد علي" يسعى لتكوين نخبته، التي تدين له بالولاء والتي سيحكم بواسطتها البلاد، من جذور غير مصرية؛ لذا انتقى أغلب مبعوثيه من خليط عثماني.

لكن وباللحظات الأخيرة، اقترح الشيخ الأزهري المُستنير "حسن العطار" على "محمد علي" وبذكاء، أن يُرافق البعثة إمامٌ يقوم على شؤونها الدينية بالبلاد الغريبة، هكذا نجحتْ خطة الشيخ "حسن" بصعود تلميذه النجيب لمتن السفينة.

حوالي 33 يومًا قضاها الفتى الصعيدي بالبحر قبل وصوله مارسيليا، التي طالع بها أمورًا غريبة، كان ولا بدَّ أن يوثقها، كتب أن "القهاوي عندهم ليست مجمعًا للحرافيش، بل هي مجمع لأرباب الحكمة"، متعجبًا رأى أن الناس للأكل يجلسون على الكراسي وحول طبليات عالية، ولا أحد يقعد على الأرض! ليس هذا فقط؛ بل إنهم يُقطعون طعامهم بالسكين ويوصلونه لأفواههم بالشوكة، لا بأيديهم! أما الدكاكين فهي عظيمة ومزدحمة بجميلات كاشفات للوجه والرأس والنحر وما تحته!

وإلى جوار ما شاهد، فقد سمع حكايات عدة عن مصائر "الذين خرجوا مع الفرنساوية حين خروجهم من مصر"، مثل ما دار للسيدة "زبيدة" بنت أشراف رشيد، التي تزوجت "مينو" آخر قادة الحملة الفرنسية عقب إسلامه، ثم صاحبته لفرنسا، وهناك عاد مينو للمسيحية، وأراد أن يُعمد ابنه من زبيدة لكنها رفضتْ، فقال لها: "إن كل الأديان حق وإن مآلها واحد وهو عمل الطيب"، وحين لم ترض أحضر لها "مينو" أعلم الإفرنج باللغة العربية المستشرق الفرنسي "سلفستر دو ساسي"، والذي أخبرها بأن الله بالقرآن يقول: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، فاقتنعتْ زبيدة وسمحت بتعميد ولدها، وانتهى الأمر على ما قيل أنها تنصرت وماتت، غير أن أبرز ما وثقه في مارسيليا، مصادفته لإنسان يلبس كالفرنسيين واسمه "محمد"، كان ينطق العربية بصعوبة، قال إنه بالأصل من مصر، من مدينة اسمها أسيوط، وإن أباه اسمه "عبدالرحيم"، وأمه اسمها "مسعودة" أو هي قريبة من ذلك الاسم، وإن الفرنساوية اختطفوه صغيرًا واصطحبوه لفرنسا أيام الخروج، فعاش بمارسيليا وكبر، وإنه ما زال على دينه، لكنه لا يعرف منه سوى أن "الله واحد، ومحمد رسوله، والله كريم".

قضى الشاب الصعيدي بمارسيليا 50 يومًا تعلم فيها تهجي الفرنسية، قبل أن يركب مع رفاقه عربات سفر نحو "باريز"، ليكتشف من بين أشياء كثيرة، أن نساءها أصفى بدنًا، كان على "مسيو رفاعة الطهطاوي" أن يخط عن العاصمة الفرنسية واحدًا من أبدع ما كتب عنها بالقرن التاسع عشر.. "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
 
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة