راديو الاهرام

محمد الشاذلي يكتب: عمان .. نحو الحداثة والمواجهة

22-11-2021 | 13:36

تحتفل سلطنة عمان هذه الأيام بعيدها الوطني الـ 51، وهي تواجه تحديًا كبيرًا نحو الحداثة وفي مواجهة تحديات داخلية وخارجية، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على الموروث الثقافي والسياسي شديد الخصوصية الذي راكمته عبر السنين.

وربما شاءت الأقدار أن يقود السلطنة في هذا التحول قيادات جديدة تتعامل مع العالم بما يطرحه من مفاهيم حديثة وشائكة، وما أفرزته التحولات من قادة جدد في المنطقة وفي العالم، بات عليهم رسم السياسات وحل الصراعات ولأعوام قادمة.

ولم يكن هذا التزامن المدهش ليمر من دون صوت واضح من تلك الدولة التي عرفنا سياستها وخبرنا قراراتها في الداخل وفيما حولها في الإقليم، وإذ تعقدت الأمور في المنطقة كثيرًا، كان على مسقط أن تنقل السلطة بسلاسة وفي شكل حضاري من قائد تاريخي هو السلطان قابوس بن سعيد إلى قيادة شابة ممثلة في السلطان هيثم بن طارق التي جاءت من رحم خلفية ثقافية حضارية مستنيرة.

وقدمت القيادة الجديدة التي تكمل عامها الثاني في يناير المقبل، برهانها بالتحرك في الداخل لمتابعة التغير الكبير في آليات العمل والتعليم والصحة والوضع الاقتصادي، وفي الخارج في مقاربة مع ملفاته الساخنة.

لقد تميز الحكم في سلطنة عمان بدبلوماسية خارجية تستند إلى ثقافة السلام والتي ترسخت كواجهة وخصال أصيلة للشعب نفسه بكل مكوناته، وكما كان القدر هادرًا في جغرافية البلد، وعاصفًا بصراع القوى الكبرى أمام سواحله، فإن مسقط اختارت منذ القدم أن تكون عاملا فاعلا في حل المعضلات وليس عنصرًا لتسخينها.

فقد كانت مسقط كما يعلمنا التاريخ القريب، واحدة من دول تعد على أصابع اليد الواحدة التي لم تقاطع القاهرة إثر اتفاقية كامب ديفيد، رغم أن العرب لم يكونوا وحدهم ضد الاتفاقية إنما قطاعات واسعة في الرأي العام المصري نفسه، رغم ذلك لم تقاطع مصر وظلت تنادي باستمرار وتعمل على تهيئة الحوار بين القاهرة والعواصم العربية، وعلى عودة مقر جامعة الدول العربية إلى العاصمة المصرية.

كما أن سلطنة عمان كانت خلف الكثير من الحوارات والتفاهمات في أزمات الخليج وحروبه المتعددة، وعندما حان التغيير الذي تابعه العالم فقد أثبتت الدولة قدرات حضارية على الانتقال السلس للسلطة، والتجهيز لوجه حضاري جديد لا يتنازل عن الموروث، ويقبل بروح وثابة نحو الحداثة والتجديد.

لقد قدر للعالم ومازال، وسلطنة عمان كغيرها من الدول، خوض اختبارات صعبة في التعاطي مع فيروس كورونا بموجاته المتعددة، وقدمت فيه عمان نتائج مميزة، إذ قامت بتطعيم 83% من المواطنين والمقيمين طبقا لتقرير وكالة الأنباء العمانية قبل أيام.

كما استطاعت الدولة أن تتجاوز إعصار شاهين القريب بأقل قدر من الخسائر، وتظل عمان وقد اكتسبت دورها التاريخي محط الأنظار، ودائما ما تُطرح حولها التساؤلات، وتجري مراقبتها عن كثب أو الانتظار لردود أفعالها.. وربما ارتكز تعاطي مسقط مع الأزمات على الموقع الفريد لسلطنة عمان والتي ربما لا تكترث إلا بشعبها وتطلعاته، لكنها دائمًا عند سقف التوقعات ممن حولها من القوى السياسية الشقيقة والصديقة.

وتتميز السلطنة كعهدها دائما بالحفاظ على علاقات قوية مع دول الجوار ومع الجميع في أنحاء الشرق الأوسط على الرغم من شغب الجيران والمنافسات الشرسة في المنطقة.

ذلك الدور السياسي لمسقط ليس مجانيا، وتدفع عُمان من رصيدها وسمعتها، وحكمة قادتها، وأصالة شعبية، ما يعمق أهمية المكان، ويزيد من رفعة المكانة.. ومن يقارب القرار العماني في الفترة القليلة الماضية يلمس الحرص على أصول وجذور التماسك الوطني وتوجيه بلده إلى مصافي العصر الحديث في مختلف النواحي.

ولم تتأخر عُمان عن طرح أهدافها التنموية متماشية مع عواصم عربية عدة، ومثلما طرحت مصر ودول عربية عدة مثل السعودية والإمارات والأردن والعراق وقطر وتونس والجزائر والمغرب الرؤية الاقتصادية والتنموية المستدامة لبلدانهم "رؤية 2030"، طرحت عُمان "رؤية 2040".

وقوام الرؤية العمانية هو تجديد الدماء في أركان ومرافق الدولة، وبناء منظومة جديدة متطورة تعتمد التحديث والاستعانة بالكفاءات الشبابية، وتستمد طاقتها الدافعة من التأييد المجتمعي الكبير لخطوات إعادة تنظيم وهيكلة الجهاز الإداري للدولة، تحت عنوان: «حكومة جديدة.. نهضة متجددة»..

واطلعت على تقرير من عمان حول الخطة الخمسية العاشرة (2021 - 2025) وهي الخطة التنفيذية الأولى للرؤية المستقبلية «عمان 2040» التي ترتكز على 4 محاور رئيسة تتفرع منها 14 أولوية وطنية و88 هدفًا إستراتيجيًا و68 مؤشرًا لقياس الأداء.. وتسعى الخطة إلى تحقيق عدد من الأهداف على رأسها «تحفيز النشاط الاقتصادي العماني، فضلا عن جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر".

وتاريخيا تمتاز العلاقات المصرية العمانية بنوع من الثبات والعزم، وقد اقتربت كثيرا من سفراء عمانيين في القاهرة، غمروا العلاقات بودهم الوطني كتكليف ومحبتهم الخاصة كعشق، وعلمت أن السفير النشط المثقف عبد الله بن ناصر الرحبي يستعد حاليا مع كل انشغالاته الدبلوماسية وحركته لدعم التعاون الاقتصادي بين البلدين، لإطلاق الموسم الأول من "صالون أحمد بن ماجد"، وهو الملاح العربي العماني الكبير، والذي وضعته منظمة اليونسكو أخيرا على قائمة الشخصيات المؤثرة عالميًا، وذلك بمناسبة مرور 600 عام على ميلاده، وهو سادس شخصية عُمانية تدرج على قائمة اليونسكو بعد عالم اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي، والطبيب والصيدلاني راشد بن عُميرة الرُّستاقي، والمصلح الاجتماعي الشيخ نور الدين عبد الله السالمي، والطبيب والفيزيائي أبو محمد الأزدي الملقب بـ"ابن الذهبي"، والشاعر ناصر بن سالم الرواحي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة