آراء

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان (1-3)

20-11-2021 | 12:11

تنفرد القاهرة عن باقي عواصم العالم، إلى جانب أنها مدينة عريقة، فإنها تجمع آثارًا لحضارات متعددة ومتنوعة، تخبرنا حجارتها وحاراتها ودروبها عن أحداث كانت عبر السنين، نحاول من خلال هذه الكلمات تذكر البعض منها حتى نستفيد من أحداث الماضي.

عن القاهرة قال العالم الكبير مؤسس علم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون عند زيارته لها عام 784 هجرية: "فرأيت قاهرة الدنيا وبستان العالم وكرسي الملك وإيوان الإسلام، تلوح القصور والدواوين في جوه وتزهو الخوانك والمدارس بآفاقه وتضيء البدور في عليائه، ومن لم يرها لم يعرف عزة الإسلام ".

ولد ابن خلدون في تونس، ثم جاء مصر وعاش فيها 24 سنة وتوفي بها ودفن في أرضها، إلا أن مكان مقبرته غير معروف على الرغم من تأكيد المؤرخين أنه دفن قرب باب النصر.

ولكونه من أبرز مؤرخي شمال إفريقيا، وسبقت نظرياته في علم الاجتماع ما توصل إليه مشاهير العلماء بعد قرون، فله رمزية كبيرة لدى التونسيين، فقد طالبوا في شهر أبريل الماضي بالبحث عن مكان قبر العالم التونسي الشهير المدفون في إحدى المقابر المصرية لاستعادة رفاته وإعادة دفنه في موطنه لمكانته الكبيرة لديهم، هكذا تبحث الشعوب عن رموزها تقديرًا لما قدموه من علم ومنفعة ليس لهم فقط، وإنما للعالم أجمع.

ومما يصعب من عملية البحث عن مقبرة ابن خلدون، أنه عند توسعة الشارع الموازي لمقابر الصوفية عند باب النصر سنة 2002م والتي دفن بها ابن خلدون، فربما كانت مقبرته في الجزء الذي تم اقتطاعه وهو بالتأكيد بمثابة جرح لجميع المهتمين بعلمه والمقدرين لما قدمه للبشرية.

والشيء بالشيء يذكر، وتتكرر المأساة بقرار إزالة أكثر من 2700 مقبرة تمثل حقبًا تاريخية متنوعة، لشخصيات أثرت في تاريخ مصر بشكل أو بآخر فكريا وثقافيا وسياسيا وحضاريا، بالإضافة إلى قيمتها العمرانية.

.. وعلى ذكر إزالة القبور، حرص المعز لدين الله الخليفة الفاطمي مؤسس القاهرة عند دخوله مصر قادمًا من المغرب، على إحضار توابيت آبائه ودفنهم في التربة المعزية والمعروفة بتربة الزعفران وكانت ملحقة بالقصر الكبير. 

كانت لهذه التربة عوائد ورسوم وظلت محترمة طوال حكم الفاطميين، إلى أن هاجمها عساكر الأتراك أيام الفوضى أواخر حكمهم، فنهبوها وسرقوها وأخذوا قناديل الإضاءة - وكانت من الذهب - وأواني ذهبية وفضية ثمينة.

عندما أراد الأمير جهاركس الخليلي إنشاء خانه المعروف الآن "بخان
 الخليلي" على أرض التربة المعزية أخرج منها عظام الخلفاء وأسرهم، وألقى بها في المزابل، وذلك أيام الناصر بن قلاوون. 

وبعد مقتل جهاركس في دمشق بطريقة بشعة، لم يتبق من الخان الأصلي أي بناء، فأعاد السلطان الغوري بناءه أوائل القرن الـ16 وأضاف عليه أبنية جديدة وكان يقام بالخان سوق الرقيق فنقله إلى مكان آخر.

ثم اشتراه فأمر بهدمه وأعاد بنائه وأنشأ فيه المحلات والدكاكين، ولا يزال حتى الآن الباب العظيم وعليه نقوش وكتابات واسم الغوري وجملة "أمر بإنشاء هذا المكان المبارك السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري عز نصره". 
كما أنشأ بجواره ربعين وبوابتين بالرخام والزخارف، ولا يزال باقيًا على إحداهما اسم الغوري وألقابه.

عشق كثير من رجال النهضة المصرية سواء سياسيين أو علماء، "خان الخليلي" كانوا يرتادونه، واعتبره الزعيم سعد زغلول من أحب الأماكن إليه منذ أن كان يدرس في الأزهر وكان يقيم في مسكن استأجره في خان جعفر، وأصبحت مكانه "لوكاندة دار السلام "، كما كان الشقيقان مصطفى وعلي عبدالرازق يقيمان في مسكن خاص في ربع السلحدار تاركين قصرهما الفاخر في عابدين ليكونا على مقربة من الأزهر، وأقام حسن باشا صبري رئيس الوزراء في مسكن خاص في عطفة البرنس، وكذلك وزير الأوقاف أحمد علي، وكان طلعت باشا حرب يتردد على مقهى أحمد أفندي في الخان، ومكانها الآن الحرم الحسيني وبالطبع الأديب الكبير نجيب محفوظ ومقهاه الشهير بالخان وغيرهم من رجال الأدب والفن والموسيقي كانوا يجتمعون على مقاهي خان الخليلي.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من الإسكندرية (2 – 3)

.. بعد غياب دام طويلا عادت الحياة مرة أخرى إلى منارة العالم، ولأن الماء عصب الحياة، فكان لحفر ترعة المحمودية 1820م، سبب في ربط الإسكندرية بالبلدان المصرية وانتعاش تجارتها

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من الإسكندرية (1-3)

التطور الطبيعي لإنشاء أي مدينة، أن تنمو تدريجيًا إلى أن تصل إلى ذروة التطور والازدهار، وتصعد المدينة إلى تألقها، ومع مرور الزمن يمكن أن يتراجع ذلك التألق نتيجة لتغير الظروف والتحولات المحيطة

مايسة السلكاوي تكتب: المنسوجات المصرية .. ميراث عميق

فنون صناعة المنسوجات والملابس والأحذية ميراث مصري عميق عزفته الأيادي حتى عصر محمد علي باشا، الذي قرر أن يتعلم أولاد الأهالي أسرار الصناعة الحديثة حتى يتفوقوا على الأجانب

مايسة السلكاوي تكتب: المطرية

بدأ التاريخ من مصر.. فمصر هي التاريخ والتاريخ هو مصر.. كل شبر على أرض مصر له حكاية.. بها أماكن لا زالت تحتفظ بتاريخها وجمالها

مايسة السلكاوي تكتب: العباسية

هناك فكر يطلق عليه الفكر التنموي والخاص بتنمية المجتمعات أو ما يطلق عليه الآن التخطيط العمراني

مايسة السلكاوي تكتب: المهندس عبدالرحمن مخلوف

مهندس معماري مصري عبقري، رائد من رواد التخطيط العمراني في العالم العربي، خبير تخطيط المدن، رشحته الأمم المتحدة لتخطيط كبرى المدن العربية في السعودية فتحقق حلمه وهو المشاركة في تخطيط المدن المقدسة

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان ( 3 – 3 )

الأزهر.. سواء كان الجامع الأزهر الشريف أو حي الأزهر، فإنه يعني الأصالة، العراقة، التاريخ، الحضارة الإسلامية، الدين، العلوم، الفنون، يعني مصر الفاطمية.

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان (2– 3)

تزول المدن وتندثر.. ويبقى المكان خير شاهد على تاريخها وحضارتها .. إنها عبقرية المكان كما وصفها د. جمال حمدان.

مايسة السلكاوي تكتب: استغاثة .. طابية عرابي تستغيث

على الشاطئ الشرقي من النيل، في مواجهة منطقة الجربي، وبالقرب من شاطئ رأس البر، قلعة أثرية مهمة تحكي الكثير عن تاريخ نضال المصريين منذ الحملة الفرنسية وصولًا

مايسة السلكاوي تكتب: النيل ومصر والتاريخ

منذ فجر التاريخ ونهر النيل له مكانة عظيمة في وجدان المصريين، وله تأثيره الكبير في طبيعة وسلوك الشعب المصري، في التدين الفطري ونبذ العنف والصبر والحياة

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك (3-3)

لم يكن علي مبارك معلما، ولم يعد نفسه ليكون معلما، لكنه كان دائما الأول فى الهندسة والحساب .. وما قام به للنهوض بالتعليم نابعا من تجربته الذاتية استلهمها

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك ( 2 – 3)

.. استكمالا لمسيرة رجل يكاد يكون أعظم رجال عصره - كما وصفه الأمير عمر طوسون - فقد تحول خلال السنوات الخمس الأخيرة والتي أعقبت رفته وزملاؤه بعد حرب القرم،

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة