آراء

د.حاتم عبد المنعم يكتب: معبدا أبوسمبل ينقذان الإسكندرية

21-11-2021 | 13:35

عندما فكرت مصر في بناء السد العالي، وبدأت فعلًا في المشروع كان من الآثار السلبية المتوقعة غرق معبدي أبوسمبل في النوبة، وكانت عملية صعبة ومكلفة وتحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة لا تملكها مصر؛ لذلك تقدمت مصر بطلب رسمي إلى منظمة اليونسكو العالمية؛ للمساهمة في إنقاذ هذا الأثر الإنساني والعالمي، واستجابت فعلًا منظمة اليونسكو لهذا النداء من خلال إعلان باريس الشهير في مارس عام 1960.

وأطلقت نداءً عالميًا للعالم لمساندة مصر في إنقاذ معبدي أبوسمبل، وبالفعل تطوعت عدة شركات عالمية من ألمانيا وفرنسا والسويد وإيطاليا، وطبعًا من مصر، مع تحمل مصر مصاريف وتكاليف كل العمالة المصرية، وبلغت التكلفة المادية وقتها 60 مليون دولار، وهو مبلغ كبير في هذا الوقت، ساهمت مصر بجزء، منه وباقي المبلغ تم جمعه من خلال اليونسكو، ساهم فيه العديد من دول العالم.

والآن الإسكندرية - وبعض مناطق من الدلتا - معرضة للغرق إذا وصل ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 4 درجات على نهاية هذا القرن، كما قال رئيس الوزراء البريطاني جونسون، في قمة جلاسكو للمناخ التي انعقدت هذا الشهر، ولم تصل إلى نتائج حاسمة؛ سواء في الحد بشكل كبير من الملوثات، أو في قيمة الأموال المخصصة لمواجهة مشكلات تغير المناخ.

ورغم أن سيناريوهات تغير المناخ مختلفة، وتصل أحيانًا إلى حد التناقض، إلا أن هناك مشكلة فعلًا، والإسكندرية وجزء كبير من دلتا النيل؛ من الأراضي المنخفضة المعرضة فعلًا للغرق، بغض النظر عن الفترة الزمنية المتاحة، ولكنها في معظم التقديرات تقدر بنحو 80 عامًا قد تزيد أو تقل، وهي فترة تسمح لنا بسرعة التحرك للمواجهة، وخاصة أن تآكل شاطئ الإسكندرية واضح للجميع.

وهنا التساؤل لماذا لا نكرر تجربة معابد فيلة ومشكلة غرق الإسكندرية أكبر وأهم لعدة أسباب، منها أن عملية إنقاذ معابد فيلة كانت لإنقاذ أثر تاريخي وسياحي فقط، لكن إنقاذ مدينة كاملة بحجم الإسكندرية بما لها من ثقل بشري يسكن بها ملايين المصريين، وهي مدينة أثرية وتاريخية فريدة على مستوى العالم بتاريخها العريق وأثرها الثقافي والتاريخي في العالم بأكمله؛ حيث كانت جامعة الإسكندرية من أكبر وأعرق جامعات العالم وساهمت في إثراء الثقافة والعلم، ونقله إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا وكافة أنحاء العالم، وتخرج منها أكبر العلماء في العديد من التخصصات.

ومكتبة الإسكندرية من أكبر وأعرق المكتبات على مستوى العالم، وأيضًا لا ننسى فضل ودور كنيسة الإسكندرية على مستوى العالم كله، ثم الأهم أن مشكلة غرق معابد فيلة كانت ناتجة عن مشروع السد العالي؛ وهو مشروع وطني مصري تستفيد منه مصر، لكن مشكلة تعرض الإسكندرية للغرق بسبب إسراف الدول الصناعية الكبرى في تلويث البيئة، ومصر ليست سببًا فيه؛ بل هي ضحية للإنتاج الصناعي الذي استفادت منه الدول الكبرى، ومصر هنا ضحية لمكاسبهم.

ومن هنا فإن المخصصات الدولية الممنوحة لمصر وكل الدول المتضررة من تغيرات المناخ غير كافية، وهي مشكلة كبيرة ورغم الجهود المصرية للمواجهة، فإن المشكلة كبيرة وتستحق وتستدعي مساهمة دولية أكبر مما حدث في إنقاذ معابد فيلة.

ومن حقنا أن نطالب اليونسكو والدول الصناعية الكبرى خاصة بالمساهمة الفعالة لإنقاذ الإسكندرية والدلتا؛ لدعم جهود الدولة والتفكير في عقد مؤتمر عالمي لمناقشة الإسهامات والحلول العلمية والمادية؛ لمواجهة هذه المشكلة بجانب فتح صندوق تبرعات لمحبي وعشاق الإسكندرية للمساهمة في عمليات مواجهة تآكل الشواطئ؛ سواء بين المواطنين المصريين أو العرب، أو على مستوى العالم، فيجب العمل على كافة المستويات والجبهات والجهود الشعبية المصرية ليس فقط من أجل الإسكندرية والدلتا، ولكن من أجل بيئة أفضل لمصر وللمصريين بناة الحضارة والثقافة على مستوى العالم.

وأعتقد أن محبي مصر كثيرون على مستوى العالم العربي والعالم بوجه عام، وحان وقت تطبيق هذا الحب عمليًا.. والله ولي التوفيق.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الفاروق وتأسيس الدولة الإسلامية

أساس الدولة الإسلامية يعتمد على العقيدة التي غرسها الرسول عليه الصلاة والسلام في أمته وأصحابه ثم جاء الصديق في موقف صعب بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه نجح في مواجهة الخارجين أو محاولات الردة

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: التنمية المستدامة والعدالة البيئية عند الفاروق

ظهر مصطلح التنمية المستدامة كفكر وفلسفة جديدة للتنمية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي في وثيقة مستقبلنا المشترك وتبعه مصطلح العدالة البيئية بين المواطنين

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: عبقرية الفاروق

إن شخصية عمر بن الخطاب شخصية متفردة يصعب تكرارها في تاريخ البشرية ويكفي حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (لو كان من بعدي نبيٌّ لكان عمرُ بنُ الخطابِ) ووصفه بالفاروق بديهة

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: التحول الرقمي ودوره في تنفيذ أحكام القضاء

تخطو الحكومة المصرية في مسايرة مستجدات العصر ومسايرة التكنولوجيا الحديثة في مجالات التعليم وإجراءات التسجيل في الشهر العقاري، وفي مجال استحقاق الدعم التمويني

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: تنبوءات بغروب العصر الأمريكي وملامح سياسية واقتصادية جديدة

بعد الحرب العالمية الثانية وفى عام 1944 عقدت اتفاقية بريتون وفيها تعهدت أمريكا بأنها تمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات وتنص الاتفاقية على

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: مشكلة ارتفاع الأسعار تتطلب فكرًا جديدًا

يشهد العالم موجات متتالية من ارتفاع الأسعار؛ نتيجة حدوث تغيرات عالمية كبرى توحي بقيام نظام عالمي جديد قد يختلف كلية عن الوضع السائد في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الدين والسياسة في عصر ناصر

يعتبر ناصر من أكثر الشخصيات التي مازالت تشغل الرأي العام العربي بالنسبة لعلاقته بالدين تتسع الاختلافات حوله إلى النقيض؛ حيث هناك من يرون أنه أهم زعيم إسلامي في العصر الحديث

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الدين والسياسة في عصر الملك فاروق (2-5)

قصة الملك فاروق والدين بدأت مبكرًا؛ حيث توفي الملك فؤاد عام 1936م، وكان عمر فاروق 16 عامًا وبضعة شهور، والسن القانونية لتولي الحكم 18 عامًا، فتقرر أن يتولى

د. حاتم عبدالمنعم يكتب: الدين والسياسة في عصر محمد علي

استخدم محمد علي الدين ووظفه لخدمة مصالحه السياسية بوضوح؛ حيث سعى لتوثيق علاقاته بعلماء الدين والزعامات الشعبية؛ مثل السيد عمر مكرم نقيب الأشراف وغيره من

مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة