راديو الاهرام

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: بين الشيخ حسني وبنيامين

14-11-2021 | 21:51

لم تكن الجملة التي ابتكرها إبراهيم أصلان (1935 – 2012) في روايته "مالك الحزين" ورددها الراحل محمود عبد العزيز في فيلم الكيت كات، (دا أنا أشوف أحسن منك في النور وفي الضلمة كمان)، مجرد (إفيه) - بلغة أهل الفن - يُضحك به الكاتب قارئ القصة أو مشاهد الفيلم، بل كانت تعبيرا صارخًا عن أزمة، اتباعًا لمبدأ (خير البلية ما يضحك)، فكفيف الحي هو العليم بأسراره وخفاياه، المدرك لتاريخه، اليقظ لتحولاته، والبارع أيضًا في استغفال الآخرين.. ناولوه كيس البرتقال ليقسمه بينهم، ظنًا أنه لن يستطيع غشهم وهو الكفيف، فغالطهم وحاز نصيبًا أكبر.. وعندما قبض البوليس على الشلة بتهمة تدخين الحشيش واقتادوهم صفًا واحدًا تجاه قسم الشرطة، غافلهم وهرب.

ما الذي قصده أصلان بأن جعل الكفيف عليمًا بكل صغيرة وكبيرة في الحي، هل قصد تفشي الفساد وانتشاره في كافة الأركان والزوايا حتى أبصره ذلك الكفيف، أم قصد أن المبصرين تغافلوا عنه متعمدين، فلم يعد من بد إلا أن ينبههم كفيفهم. ربما !!.

يعرف الشيخ حسني تاجر المخدرات وألاعيبه لإفساد محضر الشرطة والخروج من القضايا، وفاطمة فتاة الحارة التي سافر زوجها للعراق وانقطعت أخباره وحبها ليوسف خريج الجامعة العاطل المحبط دائمًا الحزين أبدًا، وعنده أسرار حيل المعلم صبحي لشراء المقهى وتهديده لصاحبه ليبيعه بأبخس الأسعار، وأسباب هروب زوجة سليمان الصايغ. كان خزان معرفة بلا فائدة.

كان أقرب إلى "مالك الحزين"، ذلك الطائر الذي يساعد غيره ولا يعرف كيف يساعد نفسه، كما جاء وصفه في كتاب "كليلة ودمنة"، فالشيخ حسني المقتنع أنه يرى أفضل من المبصرين، ضل طريقه، ولم يبق له من صلة بالعلم إلا لقب شيخ.

كانت شخصيته أقرب إلى بنيامين في رواية "مزرعة الحيوان" للكاتب البريطاني جورج أورويل (1903 - 1950)، مع فارقين رئيسيين؛ ثرثرة الشيخ حسني مقابل صمت بنيامين؛ ونكتة الأول مقابل عُبوس الثاني.

عندما اندلعت ثورة الحيوانات وتولي الخنازير إدارة المزرعة كان بنيامين، الحِمار، يكتفي بمتابعة كلّ ما يدور حوله.. طرد الخنزير (نابليون) رفيقه (سنوبول) تحت زعم أنه حطم طاحونة المزرعة كي يصفو له الجو، وأن صديقه الحصان (بُكسر) استقل سيارة الجزار ليس لعلاجه كما روجت الخنازير، وإنما لتقديمه طعامًا لحيوانات السيرك بعد ما باعوه بثمن بخس.. يطالع صامتًا تحريف الخنازير لمبادئ الثورة المدونة على جدار المزرعة، والتي كان قد حفظها عن ظهر قلب حبًا للثورة، وعندما خالفت النتائج التوقعات، هوى مُحبَطًا، كان يائسًا وبائسًا، حتى عندما قامت الثورة المضادة واستعاد السيد جونز مزرعته، التزم الصمت.

في الجانب المقابل، راح الشيخ حسني يفجر الجلسات ضَحِكًا على ذكريات فشله حتى تنقطع أنفاس المتحلقين حوله، عوض فشله بالنكات، فشله في الحصول على شهادة الأزهر، وأن يصبح منشدًا، وفشله المحافظة على بيت أبيه.

استولى تاجر المخدرات على البيت مقابل أنفاس من الحشيش، واستولى شوادفي على الوكالة بسطوته وحيلته، وإن ظلت تحمل اسم صاحبها، نسج شخصيته بحنكة الحكاء خيري شلبي في روايته وكالة عطية، يتابع المترددين على الوكالة بعينين باردتين، يعرف كل أسرارها، ما ظهر منها وما بطن، عملاق كأنما قُد من جبل.

أحكم شوادفي سيطرته على الوكالة، يعرف ما يكسبه القرداتي في نهاية يومه، والشحاذون دون عد ما في جيوبهم السحرية، وما تخبئه زوجة الحانوتي بعد عودتها من خدمة البيوت، وغلة سريحة سيد زناتي في الموالد، فكانوا يعطونه في خضوع نصيبًا مما كسبوا اتقاءً لبطشه.. كان شوادفي مزيجًا بين دهاء الشيخ حسني وصمت بنيامين.

[email protected] 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة