آراء

مايسة السلكاوي تكتب: استغاثة .. طابية عرابي تستغيث

13-11-2021 | 00:02

 على الشاطئ الشرقي من النيل، في مواجهة منطقة الجربي، وبالقرب من شاطئ رأس البر، قلعة أثرية مهمة تحكي الكثير عن تاريخ نضال المصريين منذ الحملة الفرنسية وصولًا إلى الاحتلال البريطاني، القلعة بمدينة عزبة البرج، وكانت تعرف بـ"قلعة العزبة" إلى أن تحصن بها العرابيون في مواجهة الاحتلال البريطاني فأطلق عليها "طابية عرابي".

خلال زيارتي لرأس البر والتي أواظب عليها من ثلاث سنوات، قمت برحلة نيلية، وقد فوجئت بمبنى عتيق متهالك جدًا يدل على أنه حطام قلعة قديمة، فأثرني الفضول والرغبة لمعرفة حكاية هذا المبنى المتهالك، فكان الجواب أنها طابية عرابي!! ولا شيء غير ذلك.

في حقيقة الأمر، هذا المبنى الرث يعد رمزًا لكفاح ونضال الشعب المصري بدمياط؛ لمنع جنود الحملة الفرنسية من الاستيلاء على دمياط، وقد بناه الفرنسيون ليكون قلعة حربية على أنقاض قرية مصرية بعد تدميرها وحرقها وهي "عزبة البرج"؛ عقابًا لأهلها لمقاومتهم العنيفة.

سميت بـ"عزبة البرج"، لأن دمياط كانت أحد ثغور مصر المهمة؛ بل إنها ظلت لفترة طويلة من الزمن المدينة الثانية بعد القاهرة، فكانت دائمًا مطمعًا للغزاة منذ الحملات الصليبية على مصر، لذلك أمر الخليفة المتوكل العباسي (854م) ببناء برجين عند مدخل نهر النيل، أحدهما في الجانب الشرقي والآخر في الغربي، لذلك سميت بـ"عزبة البرج".

أما عن قصة الكفاح؛ فقد عانت دمياط كغيرها من البلاد المصرية من الفرنسيين أثناء حملتهم على مصر (1798م)، إلا أنها لم تستسلم وقاومتهم مقاومة عنيفة، وقام أهلها بثورات خطيرة أزعجت الفرنسيين ولم يستطيعوا السيطرة عليها، على الرغم من تعيينهم عليها حاكمًا من كبار قادتها.

فكانت دمياط والمنزلة مصدر هذه الثورات التي كان يقودها حسن طوبار شيخ الصيادين وكان يمتلك أسطولًا ضخمًا من المراكب يضم أكثر من 600 مركب، فاشتبك أهالي عزبة البرج مع الفرنسيين وقتلوا منهم عددًا من الجنود وأتلفوا كثيرًا من مراكبهم، ثم رحلوا إلى الشام..

وانتقامًا منهم أحرق الفرنسيون البلدة بأكملها وأقاموا على أنقاضها قلعة عرفت بـ"قلعة العزبة"، وذلك لإحكام السيطرة على المداخل الشرقية لمصر تحسبًا لدخول الأتراك العثمانيين منها.

وبعد جلاء الحملة (1801م) وتولى "محمد علي" الحكم، حرص على ترميمها لأهميتها الحربية، ورممها عباس الأول مرة أخرى، وكذلك الخديو إسماعيل.. إلى أن زار الخديو توفيق دمياط (1881م) وعين "عبد العال حلمي" قائدًا للقلعة ومشرفًا على تحصينها، وكان عبد العال من أبطال الثورة العرابية، فعندما احتل الإنجليز الإسكندرية، وانتصروا في التل الكبير، أصبحت المقاومة غير مجدية، إلا أن عبد العال حلمي رفض الاستسلام وأصر على المقاومة، فدعى الأهالي للقتال محاولًا إقناعهم وجنوده باستمرار عرابي في المقاومة، ولكن تسليم "طابية الجميل" ببورسعيد أحبط من عزيمتهم.

أرسلت فرقة من الجيش البريطاني إلى دمياط طالبة من عبد العال الاستسلام لكنه رفض، فاقتحم الإنجليز القلعة وأُلقي القبض على "عبد العال حلمي" وتم نفيه إلى سيلان حتى وفاته (1891م)، ومن ذلك الحين والقلعة تعرف باسم "طابية عرابي".

أثناء العدوان الثلاثي (1956م) أقام بالطابية المهجرون من مدن القناة وأضيف لها طابق ثالث لاستيعاب أكبر عدد من المهجرين.

ومنذ ذلك الحين لم يتم إجراء أي أعمال لصيانتها رغم تسجيلها ضمن الآثار الإسلامية (1985م).

وبدلًا من أن تصبح القلعة مزارًا سياحيًا - خاصةً بعد التطوير الذي شهدته رأس البر - مزارًا يروي جزءًا مشرفًا لنضال المصريين على مر العصور ضد الاحتلال الأجنبي، إلا أنها أصبحت مأوى للخارجين على القانون، ومهملة كغيرها من المناطق المهمة في معظم المحافظات، على الرغم من جاهزية الدراسات وخطط التطوير، إلا أن التنفيذ .. فحين ميسرة!!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من الإسكندرية (2 – 3)

.. بعد غياب دام طويلا عادت الحياة مرة أخرى إلى منارة العالم، ولأن الماء عصب الحياة، فكان لحفر ترعة المحمودية 1820م، سبب في ربط الإسكندرية بالبلدان المصرية وانتعاش تجارتها

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من الإسكندرية (1-3)

التطور الطبيعي لإنشاء أي مدينة، أن تنمو تدريجيًا إلى أن تصل إلى ذروة التطور والازدهار، وتصعد المدينة إلى تألقها، ومع مرور الزمن يمكن أن يتراجع ذلك التألق نتيجة لتغير الظروف والتحولات المحيطة

مايسة السلكاوي تكتب: المنسوجات المصرية .. ميراث عميق

فنون صناعة المنسوجات والملابس والأحذية ميراث مصري عميق عزفته الأيادي حتى عصر محمد علي باشا، الذي قرر أن يتعلم أولاد الأهالي أسرار الصناعة الحديثة حتى يتفوقوا على الأجانب

مايسة السلكاوي تكتب: المطرية

بدأ التاريخ من مصر.. فمصر هي التاريخ والتاريخ هو مصر.. كل شبر على أرض مصر له حكاية.. بها أماكن لا زالت تحتفظ بتاريخها وجمالها

مايسة السلكاوي تكتب: العباسية

هناك فكر يطلق عليه الفكر التنموي والخاص بتنمية المجتمعات أو ما يطلق عليه الآن التخطيط العمراني

مايسة السلكاوي تكتب: المهندس عبدالرحمن مخلوف

مهندس معماري مصري عبقري، رائد من رواد التخطيط العمراني في العالم العربي، خبير تخطيط المدن، رشحته الأمم المتحدة لتخطيط كبرى المدن العربية في السعودية فتحقق حلمه وهو المشاركة في تخطيط المدن المقدسة

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان ( 3 – 3 )

الأزهر.. سواء كان الجامع الأزهر الشريف أو حي الأزهر، فإنه يعني الأصالة، العراقة، التاريخ، الحضارة الإسلامية، الدين، العلوم، الفنون، يعني مصر الفاطمية.

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان (2– 3)

تزول المدن وتندثر.. ويبقى المكان خير شاهد على تاريخها وحضارتها .. إنها عبقرية المكان كما وصفها د. جمال حمدان.

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان (1-3)

تنفرد القاهرة عن باقي عواصم العالم، إلى جانب أنها مدينة عريقة، فإنها تجمع آثارًا لحضارات متعددة ومتنوعة، تخبرنا حجارتها وحاراتها ودروبها عن أحداث كانت

مايسة السلكاوي تكتب: النيل ومصر والتاريخ

منذ فجر التاريخ ونهر النيل له مكانة عظيمة في وجدان المصريين، وله تأثيره الكبير في طبيعة وسلوك الشعب المصري، في التدين الفطري ونبذ العنف والصبر والحياة

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك (3-3)

لم يكن علي مبارك معلما، ولم يعد نفسه ليكون معلما، لكنه كان دائما الأول فى الهندسة والحساب .. وما قام به للنهوض بالتعليم نابعا من تجربته الذاتية استلهمها

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك ( 2 – 3)

.. استكمالا لمسيرة رجل يكاد يكون أعظم رجال عصره - كما وصفه الأمير عمر طوسون - فقد تحول خلال السنوات الخمس الأخيرة والتي أعقبت رفته وزملاؤه بعد حرب القرم،

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة