راديو الاهرام

د. مجدي العفيفي يكتب: نفحات من نار .. ولفحات من نور..!

10-11-2021 | 16:39

يحكى أن أهل قرية ذهبوا لصلاة الفجر ولم يعثروا على المؤذن، فأذن أحدهم وقاموا وصلوا وبعد بزوغ الشمس أتى المؤذن مهرولًا نحو المسجد وعندما سألوه عن سبب التأخر قال: ”إنني جئت كالعادة، و لكن يبدو أن الشمس أشرقت أبكر من عادتها.
 
هذه القصة المروية  - في سياق فكرة النقد الذاتي كواحدة من الأفكار التأسيسية التي يجب أن نحييها في الثقافة - تحمل آلية نفسية فاضحة، فنحن على استعداد أن ندخل الكون في تناقض؛ فهذا أسهل لعقولنا وأريح من مراجعة النفس لاكتشاف التناقضات العقلية الكبرى، وإذا كانت هذه القصة مكشوفة إلا أنها تفتح البوابة عريضة لكثير من أوهامنا التي نحياها وليس عندنا القدرة على لمسها.
 
وهذا هو جوهر الإشكالية في منظور الكاتب السوري «خالص جلبي» الذي كشفه القارئ مصطفى النجار في رسالة من دمشق: «إذا كان وعي الذات هو أرفع أنواع الوعي، فإنه يمثل انقلابًا نوعيًا في تصور المشاكل وهندسة معالجتها فالبشر اعتادوا وما يزالون عند المشاكل اتهام الآخر وتنزيه الذات وهذا يحمل مجموعة من الأخطاء القاتلة.
 
ولنا في قصة آدم خير عبرة فالشيطان أحال الخطأ لمصدر خارجي {بما أغويتني}، في حين كان موقف آدم مراجعة قاسية للذات {ربنا ظلمنا أنفسنا...}، ومع هذه المراجعة النفسية ومواجهة الذات والاعتراف بالخطأ وبهذا نجح آدم و فشل الشيطان.
 
تلكم هي أولى الرسائل التي انتقيتها من بين مئات الرسائل التي تلقيتها تعليقًا وتعقيبًا على المقالات الثلاثة التي طرحتها هنا تحت عنوان (في المسافة بين نقد الذات وجلد الذات).

فما إن وضعت النقطة الأخيرة في سطر هذه السلسلة، حتى انهمرت عاصفة قوية من الرسائل ثقيلة الوزن الفكري، محملة بالغضب اللفظي والموضوعي، على الذين يفترون على ذاتنا العربية في كينونتها والإسلامية في خصوصيتها والإنسانية في كليتها، معظمهم يمقت الاستسلام لهؤلاء الذين استمرؤوا جلد الذات، ولا يزالون، وبلا حياء أو خجل، وبعضها يؤيد الاستمرار في جلد هذه الذات، ويرى أن العرب (.....)، وأن العالم لن ينقصه شيء إذا تم استئصال العرب (هكذا)، وبين يدي رسائل (بين بين)، وبالتعبير الشعبي «تضرب وتلقى».. كما سنرى.
 
في رسالة تبدو مثل الشفرة يقول مرسلها «علي وحيش» عبر (الواتس) من أسوان «نحن شعب لا ينحني إلا في المساجد مهما يحاول الجلادون الانهزاميون».
*
وفي كلمتين اقتبست الباحثة والشاعرة العمانية د.سعيدة خاطر: «إللي اختشوا ماتوا» تعبيرًا عن  رؤيتها للذين يجلدون ذاتنا؛ وهو مثل شائع فى مجتمعنا الشرقي يعود أصله وفقًا للروايات المتداولة إلى العصر العثماني، حينما كانت تستخدم الأخشاب والحطب في الحمامات القديمة، وفي يوم نشب حريق بإحدى حمامات النساء، فسارعت الكثيرات ممن كن بالحمام إلى الهرب للشارع وهن عراة، لينجين بأنفسهن من الحريق، ولكن بعضهن استحى من الخروج بهذا المنظر، فبقين في أماكنهن حتى أصابتهن النيران واحترقن ومتن داخل الحمام، وحين جاء صاحب الحمام ليسأل الواقفين الذين شهدوا الحادث، إذا كان أحد منهم مات، فرد أحدهم: «إللى اختشوا ماتوا»، ومن هنا صار هذا المثل سائرًا بين الناس.
*
وتعتقد السيدة «عين . باء . حاء» من «جدة» أن هذه حرب نفسية لإضعاف الانتماء وتهميشه، وزيادة عدد اللاهثين وراء تمجيد  السير في ركاب الغرب، وكل ما هو أجنبي من مفكرين وكتاب وشعراء، ولكن هذه الحرب ظننا أنها ماتت في مهدها، وإذا بها تطل برأسها منذ سنوات عبر الميديا، ولما لم تجد صدى تراجعت وعادت للظهور بقوة الآن، في زمن النكد والتخلف الذي نعيشه، ورغم وجود الإشراف الواعي فإن ركام الباطل زاد على حده، حتى حجب الخيرين، وتلاشت أصوات المصلحين؛ وعلت أصوات من يسمون أنفسهم تنويريين وقرآنيين وعلمانيين وليبراليين.. إلى آخر تلك المسميات الباهتة التي لا أصل لها ولا لون وهي موجة ستنحسر عن خذلان وسقوط وعار الدارين حتى الرويبضات أصبح لهم صوت وكلمة، وبورك  في قلمكم ومثلما قالوا «أن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام»، و«ازرع ولو زهرة في مستنقع».
*
وهذه حوارية بين طرفي المشكلة، الأول يعتز بذاته ويفخر، في رد على الساخر منه، وهو أحد جلادي الذات الذين يستهزئون بالعرب والعروبة والإسلام والمسلمين، وفي نهايتها ترك السائل الساخر الطاولة بلا جواب:
على مائدة عشاء التفت أحد المدعويّن تجاهي وخاطبني مستهزئًا  وقال: أفهم من كلامك أنك تريد تطبيق أحكام الشريعة، والعودة بنا إلى الوراء، فأجبته متسائلا: هل تقصد بالوراء يعني حوالي ١٠٠ سنة عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تحكم نصف الكرة الأرضية ولمدة ٥٠٠ عام، وعندما كان ملوك أوروبا محميين من حكام المسلمين ويحكمون شعوبهم بتفويض منهم؟ أم قصدك أكثر للوراء زمن حكم المماليك الذين أنقذوا العالم من المغول والتتار؟ أم للوراء أكثر عندما حكم العباسيون نصف الأرض أم للوراء أيام الأمويين، أم قبلهم سيدنا عمر؛ الذي حكم أكثر الكرة الأرضية؟ أم قصدك عندما بدأ هارون الرشيد رسالته إلى ملك الروم نقفور: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، أم إلى زمن عبدالرحمن الداخل الذي طوّق جيشه إيطاليا وفرنسا؟ هذا سياسيا، أم تقصد علميًا عندما كان علماء العرب مثل ابن سينا والفارابي وابن جبير والخوارزمي وابن رشد وابن خلدون .... إلخ يعلّمون العالم الغربي الطب والصيدلة والهندسة والفلك؟

أم تقصد كرامة عندما عبث يهودي بعباءة امرأة فصاحت وا معتصماه، فجرّد المعتصم الجيش وطرد اليهود من أرض الدولة بينما اليوم النساء تغتصب اغتصابًا.  

أم تقصد عندما أنشأ المسلمون أول جامعة تعرفها أرض أوروبا في  الأندلس (إسبانيا اليوم)؟ ومن وقتها أصبح الزيّ العربي (العباءة) هو لباس التخرج في كل جامعات العالم ولليوم، وقبعة التخرج مسطّحة ولليوم أيضًا؛ لأنه كان يتم وضع القرآن الكريم فوقها في احتفال التخرج، أم تقصد لما كانت القاهرة أجمل مدينة في العالم؟ أو عندما كان الدينار العراقي يساوي ٤٨٣ دولار؟ أو عندما كان الهاربون من أوروبا الفقيرة يتوجهون إلى الإسكندرية أو عندما طلبت أمريكا من مصر إنقاذ أوروبا  من المجاعة؟
انتظرك تشرح لي قصدك وتخبرني كم تريد أن نرجع للَوَراء؟
ترك السائل الطاولة.. بلا جواب!.
*
ثمة رسائل نارية تتحرك في المسافة بين النور والنار، بين نقد الذات وجلد الذات... نشعلها الأسبوع القادم، إن كان في العمر بقية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة