آراء

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: كورونا وساعات السفر

7-11-2021 | 17:16

 

داخلني قلق أثناء إعداد حقيبة السفر متوجهًا إلى أبو ظبي مرجعه موقف قديم، فمنذ سنوات بعيدة، لم نكن سمعنا حينها عن فيروس كورونا وعائلته، اجتاحني برد ورشح احتجت معهما إلي بعض أقراص دواء من تلك التي يمكن لأي شخص شراؤها متى أراد، مثلها مثل معروضات السوبر ماركت، تعبأ ما تشاء، ثم تدفع الفاتورة وتنصرف.

 

 اتصلت بموظفة الاستقبال في الفندق وسألتها عن دواء متوقعًا أن تبادر متعاطفة وتقول (سلامتك. حالاً بيكون عندك). لكنها بدلاً من ذلك راحت تتلو علي بإنجليزية تكتنفها لكنة هندية - يلتصق فيها لسان المتحدث بسقف حلقه - قوانين الإمارة الخاصة بالحصول على دواء، كل هذا وأنا صابرٌ محتسب أسحب منديلاً تلو الآخر أملاً أن تُشنف آذاني بأنها رغم ذلك سوف ترسل لي قُرصًا أو قرصين. وبعد فاصل من حديثها وصمتي - إلا من نفنفات أنف معطوب - ألقت في ختام خطبتها حجر الاعتذار في بحر رشحي وقالت (عذرًا. إنها قوانين أبو ظبي). أنهيت المكالمة، وأنا أقبض بيمناى على السماعة وبيسراي على المناديل. 

إذا كان كل هذا بشأن الرشح، فما بالك بالإجراءات والاحتياطات بعد جائحة قصمت ظهر الاقتصاد العالمي.

 وصدق حدسي، أصبح اختبار تفاعل البلمرة المتسلسل، والمعروف عالميًا بحروفه الأولي PCR, Polymerase Chain Reaction جواز المرور من مبنى إلى مبنى، ومن باب إلى باب. بدونه تُحبس في غرفتك. تقول ويكيبديا، (يجري اختبار PCR لاكتشاف المواد الجينية من كائن حي معين، مثل الفيروس، وقت إجراء الاختبار).

 تقدم نتيجة الاختبار قبل إقلاع الطائرة. وحين تهبط تسجل بياناتك ورقم هاتفك ثم تؤخذ مسحة، تظهر نتيجتها بعد نحو أربع ساعات مع رابط لبرنامج يدعى (الحصن)، يعطي عند الضغط عليه أحد لونين، أخضر إذا كانت النتيجة سلبية، وأحمر إذا كانت إيجابية. وستعتاد أذنك سؤال لكنة الحارس المشوهة – قبل دخول أي مبني - سائلاً عن (الحصن).

 وعندما تغادر عائدًا للوطن، عليك تقديم نتيجة اختبار لم يمر عليها أكثر من ثمانية وأربعين ساعة. وعليك في كل مرة تَحَمُل مرور المجس البلاستيكي الرفيع المنتهي بقطعة قطن في أنفك، ثم الانتظار مترقبًا النتيجة. تكمن مخاطر إيجابية الاختبار في الخضوع لفترة عزل، لا يعلم سوي الله متى تنتهي.

 مشددة هي الإجراءات في أبو ظبي، تشعر أنك في المدينة / المستشفي. الكل يرتدي الكمامات، في الشارع وخلف الجدران. ويزيد عليها المتعاملون مع الجمهور بارتداء قفازات. حتى في المطعم، يقف النادل على مقربة منك، ليس لخدمتك فقط، بل لينبهك من حين لآخر بضرورة ارتداء قناع الوجه، Mask بين كل لقمة وأخرى، وأثناء المضغ، وبعد شرب الماء وحين تتجشأ شبعًا.

 أول رحلة سفر للخارج بعد قرابة عامين من تاريخ آخر رحلة. صيام طويل عاشه العالم توقف فيه قطاع الطيران عن العمل، جثمت الطائرات على الأرض بعد أن كانت تجوب الفضاء الرحب. قدر الاتحاد الدولي للنقل الجوي الخسائر العالمية بأكثر من 150 مليار دولار. سَرَحت العديد من الشركات آلاف العاملين. وتحسب الجميع لطول إجراءات التعافي واستعادة الثقة، ثقة المسافرين في سلامة التنقل، وتقديم ما يفيد سلبية إصابتهم بالفيروس، والإبلاغ المسبق عن تحركاتهم، وغيرها من إجراءات تجعل المسافرين يفكرون أكثر من مرة قبل الإقدام على السفر.

 كنت كمن يتعلم المشي لأول مرة بعد سنوات من الحبو، استغربت المطارات، والطائرات، ووجوه المسافرين، وصوت ارتطام الحقائب بفواصل البلاط. بدا كل شيء غريبًا حتى حطت الطائرة في مطار القاهرة ليشملنا أُنس، بينما وقفت مسافرة تدندن - منتظرة - بصوت رخيم (فيها حاجة حلوة). 

[email protected]

نقلاً عن الأهرام المسائي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. محمد مصطفى الخياط يكتب: كلهم في العشق قيس .. وكلهن في الحب ليلى

ما زال مشهد الريحاني في فيلم غَزَل البنات يمسح دموعه تأثرًا مما أهاجه فيه شدو الموسيقار محمد عبدالوهاب بأغنية (عاشق الروح)، من عشق كواه، ومحبوبة شغلت بغيره،

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: حفظ الله الوطن

وجه عربى أصيل تكسوه مسحة لطيفة من شمس إفريقيا السمراء. حوراء لم تر عيناي أجمل من عينيها، حبتين بلون البندق، لامعتين، هادئتين، واسعتين، صافيتين، لوزيتين

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: تغير المناخ وشجرة النبق

انزلق حديث عابر - مع أحد الأصدقاء - لعادات وتقاليد ارتبطت بمراحل مختلفة من سنوات حياتنا. هربنا معًا إلى مراتع الصبا. تذكرنا تفاصيل دفناها منذ سنوات طوال تحت البلاطة

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: شآبيب .. الصياد والطريدة

بحرفية عالية ترسم رواية شآبيب للدكتور أحمد خالد توفيق، رحمه الله، حال المهاجرين العرب سواء أقاموا بإحدى ضواحي مدينة أوروبية متقدمة كالنرويج، أو حارة فقيرة بدولة إفريقية مثل ليبيريا

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: التضخم .. ذلك الضيف الثقيل

ظهرت مجلة (ذى إيكونوميست) البريطانية مؤخرًا وعلى غلافها صورة لشرائط صَفراء اللون كُتب عليها ما يتعرض له الاقتصاد العالمي من مخاطر؛ فيروس أوميكرون، والركود الصيني، وأخيرًا التضخم

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: الطاقة المتجددة والتحول نحو الحلول المتكاملة

في أيامه الأولى على كوكب الأرض، تعامل الإنسان مع البيئة المحيطة بغرض تأمين احتياجاته الغذائية، لم يكن في حاجة لأكثر من 2000 سعر حراري يوميًا، تكفيه للبقاء على قيد الحياة، كان نباتيًا حتى النخاع.

محمد مصطفى الخياط يكتب: المهاجر .. لم يعد هناك ما يعود إليه

رغم رحيله عن عالمنا منذ أكثر من عشرين عامًا، إلا أن صوته وكلماته لا يزالا حاضرين بيننا. عرف العالم العربي نزار قباني شاعر حبٍ أكثر مما عرفه سياسيًا مطاردًا

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: المناخ .. الصفرُ هدفًا

اختلفت الروايات بشأن الصفر. قيل اخترعه الهنود، ونفي آخرون مؤكدين؛ بل العرب، واكتفي هو بالصمت، معتزًا بنفسه ومحافظًا على حياديته بين اليمين الموجب واليسار

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: بين الشيخ حسني وبنيامين

لم تكن الجملة التي ابتكرها إبراهيم أصلان (1935 2012) في روايته مالك الحزين ورددها الراحل محمود عبد العزيز في فيلم الكيت كات، (دا أنا أشوف أحسن منك

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: أفكارنا وعلامات الترقيم

فارق كبير بين اختلاف الرأي والخلاف في الرأي؛ الأول ينظر للموضوع من زاوية ومسافة تختلفان عن غيره فيصف ما يرى، أما الثاني، فلا من زاوية نظر، ولا من مسافة

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة