Close ad

شريف سعيد يكتب: مذكرات السجينة 1536

7-11-2021 | 17:21

"مُنذ الطفولة وأنا أريد أن أعيش ثم أموت وأخلف ورائي شيئًا ثمينًا، ما هو؟" هكذا تساءلت السَجينة رقم 1536 في مُقدمة كتابها "مذكراتي في سجن النساء". بدا أن خريف 1981 لم يُبشر أحدًا بخير. فيما عُرف باعتقالات سبتمبر، أمر الرئيس الراحل السادات باعتقال الجميع، ووضعهم خلف الأسوار. رُبما السجون من التجارب التي لا يُمكن لأحد أن يُعبر عنها بصدق سوى مَن عاشها. من هنا تأتي أهمية القطعة البديعة التي دونتها الكاتبة الراحلة المتمردة، وهي تُسافر بخيال القارئ إلى سجن القناطر قبل أربعة عقود.

"تعلمتُ في السجن ما لم أتعلمه في كلية الطب".. بعيدًا عن كل قرارات السادات، بعيدًا عن ارتعابها حين كسر الأمن باب شقتها وأُلقي القبض عليها بداية هذا اليوم، بعيدًا عن العنبر العفن والمرتبة الفائضة بعرق السابقات، بعيدًا عن نقيق الضفادع وصفير الصراصير وشخير الإنس، وجدتْ المُفكرة ذات الخمسين عامًا نفسها وجهًا لوجه أمام بُرص أصفر وكبير متشبث بالسقف يحدق فيها! من الطبيعي أن تنهض مذعورة، لكن الإعياء لم يُمكّنها. سقط البرص فوقها، ولما وجدها ثابتة، هرع هو هاربًا مختبئًا بأحد الشقوق. نامتْ ليلتها الأولى حتى الصباح تاركة كل ما هو حي يمر من فوقها بسلام. تبدى أمام عينيها شجاعة داخلها كانت تجهلها. تبدد كل خوف غير منطقي عاش جوفها جراء هذه الكائنات! تعلمت أن كثيرًا من مخاوفنا مجرد أوهام. ليتداعى على الذهن سؤالٌ منطقي: كم عدد الأبراص بحياتنا وكم هو عدد الأوهام؟!

"في السجن تظهر حقيقة الإنسان، يقف عاريًا أمام نفسه وأمام غيره".. الباحثة التي عملت مستشارة بالأمم المتحدة حتى استقالت عام 1980، حرصت على تدبر بعض مَن قابلتهم بالسجن. "صباح الشحاذة" التي أدمنت التسول والغناء بشجن فريد! "فتحية القتالة" التي ختمت حياة زوجها بالفأس على رأسه، عقب أن وجدته بوضع غير لائق مع ابنتها ذات التسع سنوات! "زوبة القوادة" التي تفخر أنها لم تمارس الحرام، فهي فقط قوادة على سن ورُمح! لكن الأعجب من هؤلاء كان أحد أطباء السجن، "د/ صابر" الذي يغازل بنات الدعارة علنًا بالفناء وبكلمات نابية! تذكرتْ ملامحه. كان زميلًا لها بطب قصر العيني، مجتهدًا دؤوبًا يجلس بالصف الأول. ثم تبدل مكانه، شُوهد جالسًا بالصف الخلفي جوار إحداهن! قصة حب غريبة انتهت بتغيير دينه. أعلن إسلامه وتزوجها. ثم مرتْ الأعوام وصادفته بالسجن. كان مستعدًا لكتابة أي تقرير طبي مقابل سيجارة فاستحال اسمه "صابر برسوم بسجارة"! كان من المفترض أن يكون طبيبًا ذائع الصيت، لكن ماذا تفعل بنا السنوات؟!

"لأني وُلدتُ في هذا الزمن لم يكن عجيبًا أن أدخل السجن، فأنا اقترفتُ الجرائم جميعًا، كتبتُ القصة والرواية والشعر".. هكذا كتبت ذات الشعر القصير عن سبب وجودها بالسجن. حُظرت عليها الأوراق والأقلام والزيارات، ولا شيء يربطها بالخارج إلا "راديو ترانزستور" هُرب لها عبر عوالم السجون. أزمتها كانت أن خُطب السادات طويلة. والخطبة الواحدة تستهلك بطارية كاملة. وعقب شهر من الحبس تسرب للعنابر خبر إطلاق الرصاص على الرئيس وسط احتفاله بالنصر. تشككتْ بالخبر حتى جاء صوت المذيع هادئًا: "هنا لندن، جاءتنا أنباء مؤكدة تقول إن السادات تُوفي"!

وفجأة صباح 25 نوفمبر 1981، أُمرت المسجونة بأن تلملم حاجياتها. لم تعرف لماذا! سيارة صغيرة أقلتها بتراب السجن مباشرة لقصر العروبة، وجدت ببهو القصر 30 شخصًا من المتحفظ عليهم. في مثل هذه الأيام قبل أربعين عامًا، طلب الرئيس مبارك أن يصافح د/ نوال السعداوي قبل عودتها إلى البيت.
 
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: