راديو الاهرام

مايسة السلكاوي تكتب: النيل ومصر والتاريخ

6-11-2021 | 13:28

منذ فجر التاريخ ونهر النيل له مكانة عظيمة في وجدان المصريين، وله تأثيره الكبير في طبيعة وسلوك الشعب المصري، في التدين الفطري ونبذ العنف والصبر والحياة المستقرة وتقديس الحاكم والارتباط بالأرض وغيرها، وما القسم الفرعوني للنيل إلا تعبير عن مكانته في وجدانهم.

النيل كان سببًا للرخاء فكانت مصر سلة عذاء العالم، وأيضًا مطمعًا للغزاة، فشهدت أول غزو استعماري في التاريخ حين غزاها الهكسوس طمعا في خيراتها، ومنها انطلقت أول حروب التحرير حين طردت الهكسوس.

.. ولأنى دائما أربط بين الأحداث الجارية والتاريخ، فالتاريخ يعيد نفسه، أعداء مصر اتخذوا من النيل وسيلة للضغط عليها، وكم من المحاولات جرت، آخرها ما يحدث الآن في قضية سد النهضة، وهو تكرار لما حدث زمن الحروب الصليبية حيث تم الاتفاق مع ملك الحبشة (إثيوبيا) لقطع مياه النيل عن مصر بتحويل مجرى النهر حتى يمكن هزيمة المصريين، ولكن فشلت خطتهم. 

ولأن النيل شريان الحياة، بدأت مصر منتصف القرن التاسع عشر تتخذ خطوات عملية لتأمين منابع النيل، خاصة وقد بدأت دول أوروبا في التوسع في الكشوف الجغرافية للقارة الإفريقية لأغراض استعمارية، مما يشكل تهديدا لمصالح مصر الحيوية، ويهدد بمنعها من استكمال حدودها الجغرافية المتعلقة بمنابع النيل إذا ما أصبحت تحت سيطرة أوروبا.

لذا تحرك الخديو إسماعيل وكان حاكم مصر، بصورة إيجابية لتحقيق ما يطلق عليه الآن الأمن القومي المائي، فحلمه أن تكون مصر دولة متقدمة أسوة بالدول الأوروبية، ولتحقيق هدفه ومع إدراكه بأن مصر مستهدفة، قرر أن يتم ذلك بموافقة الدول الكبرى حتى لا يتعرض لمثل ما تعرض له جده محمد على باشا. فكانت رغبته في تكوين إمبراطورية إفريقية على ضفاف النيل تمتد من البحر المتوسط شمالا حتى خط  الاستواء جنوبا، لذلك عمل إسماعيل على توظيف المستكشفين الأوروبيين في خدمة المصالح المصرية، حتى  يتمكن من إرسال حملات وبعثات استكشافية شملت السودان وأواسط إفريقيا وأقصى السواحل الشرقية للمحيط الهندي.

حقيقة حفل عصر إسماعيل بالرحلات الاستكشافية، وكانت سببًا في انتشار الحضارة والعمران في السودان، وتقدم علم الجغرافيا والخرائط بصورة فائقة، وحتى يتمكن من إرسال تلك البعثات استعان بضباط أمريكان وضمهم للجيش المصري، لعدم وجود أطماع استعمارية لأمريكا في إفريقيا، كما استعان بفرنسيين لإنشاء مدرسة أركان حرب لتدريب المصريين تمهيدًا لإرسال البعثات الاستكشافية، فبلغ ما تم إرساله حوالى ثلاثين رحلة بخلاف ما تم بالمشاركة مع المجامع العلمية الغربية والمجهودات الفردية كرحلات صموئيل بيكر وهى الأولى إلى منابع النيل، تحملت مصر كافة نفقات تلك البعثات من معدات لازمة ومؤن ورواتب الضباط والجنود.
   
جابت بعثة برئاسة الأميرالاى بوردى الأمريكي من ضباط الجيش المصري ومعه عدد من الضباط المصريين، الجهات الواقعة بين النيل والبحر الأحمر من القاهرة والسويس شمالا الى قنا والقصير جنوبا، فاكتشفوا طرق المواصلات ومناجم المعادن والمحاصيل في تلك الجهات. وفى 1874م اكتشف شالي لونج بحيرة "إبراهيم" (على اسم والد إسماعيل) كما اكتشف معظم مجرى النيل المسمى" بنيل فيكتوريا" وحقق هذا الاكتشاف نقطة كانت غامضة وهى أن نيل فيكتوريا يصب في بحيرة البرت ورسم الطريق من اللادور ومكركة جنوبي بحر الغزال.

وبعد فتح دارفور 1874م أرسل إسماعيل ثلاث بعثات، لاكتشاف جهات كردفان ودارفور كما اكتشفوامناجم الذهب في "الحمامة" شمال قنا، ورسم ارنست لينان دى بلنون ابن لينان مهندس القناطر الخيرية، الطريق بين غوند و كرو عاصمة أوغندا، وقتل وهو عائد من مهمته.

وقد رسم الضباط المصريون خرائط الجهات الواقعة بين تاجورا وبحيرة أوسا بالحبشة، وخريطة بلاد هرر، وخريطة الجهات الواقعة بين هرر وزيلع وخريطة بربره وملحقاتها.أما حملة الصومال فقد كشفت سنة 1875م سواحل البنادر الواقعة بين الأقبانوس ونهر جوبا.

وأمر الخديو إسماعيل بوضع خريطة مفصلة لأفريقيا وتعتبر أدق خريطة من نوعها في ذلك الحين وضعها عدد من خيرة الضباط المصريين وطبعتها مصلحة المساحة وحفظت بالجمعية الجغرافية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مايسة السلكاوي تكتب: قصور تحكي تاريخ مصر (3-2)

يعتبر عصر الخديو إسماعيل أزهى عصور مصر عمرانيا وثقافيا وفنيا، فمثلما تشكل الوعي الثقافي في المجتمع خلال تلك الفترة، كانت هناك طفرة عمرانية هائلة بلمسات

مايسة السلكاوي تكتب: قصور تحكي تاريخ مصر (1/3)

تمتلك مصر كم هائل من القصور، تمثل معظم عصورها بدءا من عصر الفراعنة مرورا بالرومان والبطالمة والفاطميين والمماليك وصولا إلى العصر الحديث حيث المملكة المصرية.

مايسة السلكاوي تكتب: موروثات رمضانية

إللي بني مصر كان في الأصل حلواني .. مقولة شهيرة تعني جمال مصر.. ولكنها حقيقة بالفعل.. فكان جوهر الصقلي قائد الجيوش الفاطمية وباني القاهرة المعزية بارعًا في صناعة الحلوى

مايسة السلكاوي تكتب: بين القصرين

هناك كلمات تثير فى نفوسنا كمصريين الكثير من الذكريات والتقاليد الجميلة ، والتى تنفرد بها مصر عن غيرها من الدول الإسلامية ، فالأزهر والحسين وخان الخليلى وبين القصرين وشارع المعز

مايسة السلكاوي تكتب: حدائق المحروسة

تمثل الحدائق والمتنزهات حالة من البهجة والسعادة لكل من يرتادها ..فالحدائق بما تحمله من ألوان زاهية وعطر الورودالفواحة والهواء النقى ، يضفى شعورا من الراحة

مايسة السلكاوي تكتب: «إمبابة»

إنبابة هكذا كانت تسمى كما ذكرها الجبرتي، ومن المرجح أن اسم إمبابة الذي تعرف به الآن قد أطلقه تجار ورعاة الجمال الأمهريون القادمون من الحبشة، فإن إمبابة بـ الأمهرية تعني نخلة الدوم المصرية

مايسة السلكاوي تكتب: شريف باشا

لقب بـ أبوالدستور فهو مؤسس النظام الدستوري ومجلس النواب المصري، أحب مصر وأخلص لها، لو استمع العرابيون لنصائحه لسارت ثورتهم في الاتجاه الصحيح، وكانت مصر أمنت شر الاحتلال البريطاني

مايسة السلكاوي تكتب: باب اللوق

قبل أن يستقر نهر النيل عند مجراه الحالي في المنطقة ما بين مصر القديمة وروض الفرج، انحسر مجراه لأكثر من مرة متجها غربا خلال القرنين السادس والسابع الهجري، إلى أن استقر على النحو الحالي

مايسة السلكاوي تكتب: أحمد لطفي السيد

الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.. مقولة شهيرة، كثيرا ما نرددها، لكن ربما لا نعرف صاحبها، إنه أحمد لطفي السيد أحد العلامات المضيئة في عصر التنوير، إنها مقولة تدعو إلى الحوار الراقي والمتمدين

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة