آراء

مهدي مصطفى يكتب: قصة نظام عالمي يتلاشى

2-11-2021 | 19:50

مصر حجر الزاوية فى استقرار الدوائر العالمية، الدائرة العربية، والدائرة الإفريقية، والدائرة الآسيوية، والدائرة الأوروبية، تصل أمواجها إلى خارج هذه الدوائر، حيث القارات الجديدة، الأمريكتين، الشمالية والجنوبية، وأستراليا.

بلد يستجيب للتحدى تاريخيا، يبتكر فكرة الوجود ببراعة، يختبر الدنيا ولا تختبره، فبرغم تزاحم العابرين إليه، كان كصخرة عملاقة، لا تستطيع أى قوة أو إمبراطورية انتزاع هويته العميقة، ومع مرور أكثر من ألفي وخمسمائة عام على اختطاف لغته وميراثه الحضاري، ظل قابضا بكلتا يديه على معتقداته وأفكاره، يتحدى كل عوامل الفناء، يستجيب لمغامرة البناء، فيترك للدنيا واحدة من أعظم الحضارات الفريدة، بنسيجها المصرى القديم، والقبطى، والعربى. 

فى الهزيع الأخير من ليل العالم الحديث ينهض هذا البلد، ينتصر فى معركة الوجود والعدم.

وما أعنيه بالعالم الحديث يعود إلى قرنين، عندما نشطت حركة الاستعمار والاستيطان، واجتاحت أربعة أركان الأرض، وغيرت ألسنة ولغات وسلالات، وانتزعت الأراضى والبشر، وتذرعت بفكرة الإعمار والتحديث، وفرضت قوانينها وتقاليدها وأعرافها، ولم تكن مصر بعيدة عن هذه العواصف المتلاحقة.

طوال خمسمائة عام لم تتوقف العواصف الأوروبية، ولم تتوقف عبارة العالم الجديد عن الانتشار، كانوا يأتون بها مع كل حقبة ينتصرون فيها على عدو مجهول أو معلوم فى حرب مجهزة ومعتمدة.

القرون الخمسة الأوروبية هذه تتصدع الآن، بكل سجلاتها التاريخية، ستتحول إلى أثر بعد عين كما تقول العرب، ويبدأ عالم جديد ينسف كل تصورات سياسية واجتماعية نشأت حسب رغبة المنتصرين فى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقامت على احتكار المنظمات الدولية، والأفكار والمعتقدات، وصناعة الحروب، والاضطرابات، وهدم وبناء الدول حسب الطلب.

نجحوا فى كل ما خططوا له، لكنهم وصلوا إلى الحائط الأخير بصناعة ما يسمى حروب الجيل الرابع والخامس والسادس، ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن ما ينسخونه من سيناريوهات سيبقى ناجحا على الدوام، يساعدهم فى ذلك التقدم التكنولوجى الرهيب، وتدمير ما هو مستقر من وسائل تقليدية كالإعلام والثقافة، وصناعة إعلام جديد يقوم على مواقع التواصل الاجتماعي، وصحافة المواطن، والذكاء الاصطناعي، وتصغير السلاح وجعله فى متناول الأيدي، كطائرات الدرون وغيرها، وقد استخدموا بعض هذه الأدوات الفتاكة فى فوضى الربيع العربي.

 فوضى الربيع العربى كانت معركة نهاية وتصفية وجود، استعملت فيها كل الأسلحة المشروعة والمحرمة، لم توفر سلاحا إلا وجربته، من صناعة نخب مستأجرة إلى اختراع فنون، وجماعات ثقافية، وسياسية، واقتصادية، وإعطاء جوائز ومنح وتمويل، وكانت مصر من أكثر البلاد التى تدفقت إليها تمويلات الجماعات الشاردة، كانت مشروعا لنجاح مخطط يعم المنطقة والعالم، لكنها حسمت أمرها باستعادة مكانتها اللائقة بين الأمم، بصناعة عالم جديد، لا يدور فى فلك إمبراطورية أو قوة عظمى.

بعض الماكرين أو المستأجرين، ظنوا أنه يمكن تكرار التجربة، تجربتهم العاطلة عن الحياة، لكن هذا البلد حسم أمره بأنه لا يلدغ من جحر مرتين، ولا يؤمن بأن التكرار يعلم الشطار، بل يؤمن بأن النيل سيظل يجري، وإن المصرى كريم العنصرين، كما أبدع الخالدان سيد درويش وبيرم التونسي.

نقلاً عن الأهرام العربي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مهدي مصطفى يكتب: فرصة نادرة مرة أخرى

النظام العالمى يتصدع، والنظام الجديد لم يظهر بعد، وبين القديم والجديد نقطة فراغ نادرة، الأمم العتيقة والحضارية هى الوحيدة القادرة على التقاط طرف الخيط، وملء هذا الفراغ الهائل.

مهدي مصطفى يكتب: طائر العنقاء العربي سيخرج من بين الرماد

لا يتزعزع إيماني بأن الإقليم العربي قادر على الجلوس حول مائدة الكبار في النظام العالمي المرتقب، وهو نظام آت لا محالة، فالصدام بين الكبار والطامحين لأن يكونوا كبارا، يدور دون هوادة

مهدي مصطفى يكتب: فرصة نادرة للإقليم العربي

صخب وعنف يتطايران حول المحيطين الهادى والهندي، وخروج أمريكى من الشرق الأوسط، فماذا يفعل الإقليم العربي، هل يمشى على جسر الحياد، أم يشاهد تشكيل كرة اللهب البعيدة دون اعتناء

مهدي مصطفى يكتب: ..وبدأت الحرب العالمية الثالثة

الحرب العالمية الثالثة شقيقة لفيروس كورونا، كلاهما لا تراه العين المجردة، لكنهما موجودان وقاتلان، ويعملان بجد واجتهاد لحصد البشر، وكلاهما يمسك بطرف خيطه

النظام العالمي وتغريدة البجعة

النظام العالمي الحالي شبيه بالبجعة، يغرّد أغنيته الأخيرة، والبجعة تمضي حياتها في صمت، ثم تغرّد أغنية أخيرة قبل الوداع بقليل.

مهدي مصطفى يكتب: بذرة صالحة لوحدة العرب

الإقليم العربى واحد، ولسانه واحد، وإن تعدد فى اللهجات، وتنوع فى الثقافات، والاندماج فى وحدة طوعية فيدرالية ضرورة حتمية، وحدة نابعة من سجلات التاريخ المشترك،

الثورات الملونة .. بضاعة بائرة

بضاعة الثورات الملونة بائرة فى الأسواق، أو بلغة البيع والشراء كاسدة بعد رواج مصطنع، أو فى مرحلة التصافى، كما حال السلع، حين لا تباع فى الموسم الطبيعى.

بيل جيتس .. العراف المميت

مهنة العراف لا تنتهى مع وجود بيل جيتس.. لا ترموا بكلامه إلى البحر.. انتبهوا لنبوءاته المميتة، فالعراب الملياردير، مؤسس شركة مايكروسوفت الأمريكية العملاقة، يرى على بعد مليون ميل.

ميتافيرس والشيطان الحديد

يوم الخميس 28 أكتوبر 2021 يظهر مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج على صفحته الرسمية، يخاطب الأمة العالمية فردًا فردًا، يبشرهم بتغيير اسم فيسبوك إلى ميتافيرس.

مهدي مصطفى يكتب: قصة نظام عالمي يتلاشى

مصر حجر الزاوية فى استقرار الدوائر العالمية، الدائرة العربية، والدائرة الإفريقية، والدائرة الآسيوية، والدائرة الأوروبية، تصل أمواجها إلى خارج هذه الدوائر،

مهدي مصطفى يكتب: أينما تذهب .. تجد عربيًا

العرب فى كل مكان، من أمريكا الشمالية إلى القارة الأسترالية، ومن أمريكا الجنوبية إلى قلب أوروبا، عبورا إلى الصين وروسيا والهند، وإفريقيا.

محطة أخيرة للقرون الستة

قدر الإقليم العربي أن يكون جارًا للإقليم الأوروبي، وشريكًا في المتوسط، الشاهد على الصراعات الدموية، وقيام وانهيار الإمبراطوريات العظمى، وقدر الإقليم العربي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة