آراء

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

2-11-2021 | 12:34

إذا كانت "الفلسفة" ديوان الإغريق واليونان؛ و"الشعر" ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن " السينما والأدب " هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

 
فـ "السينما والأدب يسمحان بتقديم التاريخ بمعنى أكثر رحابة؛ حيث يتدخل الإبداع لإضافة بعض التفاصيل التي قد تكون مفقودة".على حد تعبير أ.د.محمد عفيفي.
 
وعند استعراض ما اتكأ عليه صناع السينما في العالم الغربي والعربي؛ مما جادت به قريحة الأدباء من روايات وقصص من/وعن الحياة ومتغيراتها داخل المجتمعات البشرية؛ نجد أنه قد تم ذلك بالرصد والتوثيق بالصوت والصورة؛ حتى تتعرف الأجيال على كيف كانت تسير الأمور ـ مثلاً ـ في فترة من فترات الكفاح الشعبي ضد قوى الشر ومكافحة المستعمر مدعومة بقصص عن حياة الأبطال؛ حتى يقف كل إنسان على أصول منبته وجذوره وتاريخ مجتمعه وبلاده.
 
ولعلنا ندين بكل مالدينا من طاقة لجنود مصر العظماء الشرفاء؛ الذين حملوا على أكتافهم "البندقية والكاميرا" لتوثيق المعارك الضارية بالصوت والصورة؛ والتي انتهت بالانتصار العظيم في أكتوبر 1973 وتحرير "سيناء الحبيبة" من العدو الذي دنس أراضيها في غفوة من غفوات الزمن، وهذا ما عكفت على توثيقه عدد من الأعمال الفنية.
 
ولقد وهبنا المولى العديد من قصص حياة الأولين في سور "القرآن الكريم"؛ حيث يقول رب العزة: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ". ( يوسف 3 )؛ وفي هذا الإطار القرآني .. عرفت البشرية ماذا جرى في البلاد وحكّامها "وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ" التي قيل إنها إشارة إلى "الأهرام" في مصر القديمة أو الفرعونية كما يقول البعض؛ وعن مولد سيدنا "موسى" وتربيته بمعجزة ربانية في قصر الحاكم الفرعون الأكبر؛ وعرفنا ما جرى ـ بعد ذلك بين "موسى" و "الخضر"؛ وكيف كان "سليمان الحكيم" الذي يعرف لغة الطير والنمل؛ وكان بكل الجبروت يتولى تسخير "الجن" ليعمل في مملكته إلى أن مات واقفًا وهو يتكيء على "منسأته"؛ وقصته الرائعة مع "بلقيس" ملكة "سبأ" والخبر اليقين الذي أتى به طائر "الهدهد"؛ وأخذنا العظة والعبرة من قصة "الفتى الجميل يوسف" مع "زليخا" امرأة "عزيز مصر" ... إلخ كل هذه القصص والحكايات العظيمة والعبرات التي أبدع القرآن في تصويرها بلغتنا العربية الرائعة؛ فظهرت كأنها مجسدة أمامنا بعين الخيال والإيمان القلبي المطلق بها وبالله رب العالمين؛ ليحفظ لنا الله تاريخ الأمم والشعوب ونعرف وقائع التاريخ الذي لم نعشه ولم نره إلا من خلال هذا القصص العظيم.
 
وفي البدء قبل ظهور "الإسلام" جاءت لنا " الأناجيل" في العقيدة المسيحية بكل القصص الإنساني وتاريخ المجتمعات التي كانت تعيش في ظلام الوثنية والإلحاد؛ ولعلنا نعرف أن كلمة "الإنجيل" - بتصرف - كلمة معربة من ( اليونانية: ايوانجيليون ) وتعني البشارة السارة أو بشرى الخلاص؛ وتعني بالمفهوم الروحي البشارة بمجيء يسوع، وهكذا تعطينا الكتب المقدسة بعض الصور عن كيف كانت الحياة الإنسانية والمعتقدات في ظل العقيدة المقدسة والإيمان برب السماء الواحد القهار.
 
كذلك تصنع "السينما" في عصرنا الحالي؛ وتجتهد في أن تقوم بالتوثيق - صوتًا وصورة - في متون صفحات التاريخ الإنساني وهوامشه لتحافظ عليه من الاندثار؛ وليكون مصدرًا لاعتدال السلوك لكل بني البشر على ظهر البسيطة؛ وفي هذا الصدد يقول أمير الشعراء "شوقي": 
"إقرأوا التاريـــخَ إذ فيه العِبَر ** ضلَّ قومٌ ليس يَدْرُون الخَبَر" !!
 
وللأمانة .. وللتاريخ؛ يجب أن نعترف أن صناع السينما لم يكونوا وحدهم في الرصد والتوثيق لوقائع خطوات الزمن على الأحداث الجسام في المجتمعات العربية والغربية؛ بل كانت هناك العديد من طرائق التعبير عن التسجيل والتوثيق بالفن التشكيلي والرسم والنحت..إلخ ؛ ولا ننسى الدور المهم الذي قام به "الشعراء" في تصوير معارك الانتصار والتدبيج في قصائد تعيش مع الزمن كمرجع تاريخي للأجيال التي لم تحظ بشرف معايشة تلك المعارك والانتصارات التي حققها جيش مصر العظيم؛ وخرج من بين رجالاتها العديد من القيادات العظيمة التي تعرف معنى وقدر كلمة "وطن"؛ ليعيش في القلوب والأفئدة على مر الزمان.

ومازال التاريخ مستمرًا في تدوين ما يجري هنا وهناك دون كلل أو ملل في حصر التفاصيل وتسجيل الأحداث الجسام بغية الحرص على أن تظل باقية في ذاكرته التي تتفوق على ذاكرة البشر فتظل ذاكرة التاريخ خير مرجع لمعرفة الماضي والحاضر والمستقبل بتلاوين من طرائق التوثيق الدقيقة في الرصد والتحليل واستنباط الدروس المستفادة والعبرات.
 
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: عن المجمع العربي للموسيقى .. وولاية جديدة لمصر

طالعنا مؤخرًا بسعادة غامرة ما تم الإعلان عنه خلال المؤتمر العام السادس والعشرين للمجمع العربي للموسيقى برئاسة وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبدالدايم رئيس المجمع

د.إلهام سيف الدولة تكتب: كنوز مصر..القادرون باختلاف

لقد خلق الله البشر مختلفين لكل عيوبه ومزاياه ولم يخلق شيئا اعتباطا بل هناك حكمة إلهية تكمن وراءه توظفها في موضعها لتنتظم حياة البشر في المضمار الذي وضعه

د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة