Close ad

د. خالد القاضي يكتب: الطوارئ (حالة استثنائية)

1-11-2021 | 09:41

الطوارئ هي حالة استثنائية، لمواجهة أخطار تُعرّض مصر أو مناطق منها إلى الخطر، وهو تدبير موقوت بمدة زمنية محددة، ويستمد شرعيته من الدستور والقانون، يُمنح بموجبها رئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ، سواء على مستوى منطقة معينة (كما حدث نهاية عام 2014 في سيناء)، أو مصر بأكملها (كما كان الحال منذ أبريل عام 2017 وحتى أكتوبر 2021)، ويصدر القرار الجمهوري بإعلان حالة الطوارئ لمدة أقصاها ثلاثة أشهر، ويعرض على مجلس النواب خلال سبعة أيام ويشترط موافقة غالبية الأعضاء، وفي حالة مد حالة الطوارئ لمدة أخرى تستوجب موافقة ثلثي أعضاء المجلس.

هذا موجز الإجابة على تساؤلات عديدة ثارت بعد قرار فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلغاء مد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد ؛ إذ كتب في حسابه على «فيسبوك»: «يسعدني أن نتشارك معاً تلك اللحظة التي طالما سعينا لها بالكفاح والعمل الجاد، فقد باتت مصر... بفضل شعبها العظيم ورجالها الأوفياء، واحة للأمن والاستقرار في المنطقة؛ ومن هنا فقد قررت، ولأول مرة منذ سنوات، إلغاء مد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد».

وأردف فخامة الرئيس السيسي «هذا القرار الذي كان الشعب المصري هو صانعه الحقيقي على مدار السنوات الماضية بمشاركته الصادقة المخلصة في كافة جهود التنمية والبناء، وإنني إذ أعلن هذا القرار، أتذكر بكل إجلال وتقدير شهداءنا الأبطال الذين لولاهم ما كنا نصل إلى الأمن والاستقرار، ومعًا نمضي بثبات نحو بناء الجمهورية الجديدة مستعينين بعون الله ودعمه، تحيا مصر. تحيا مصر. تحيا مصر».

وكم كان قرار فخامة الرئيس دقيقًا للغاية في استخدام مفردات قانونية محددة حين استخدم مصطلح "إلغاء مد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد".. لأنه (الوحيد) الذي كان يملك مد تلك الحالة بقرار جمهوري، كما حدث خلال الفترات السابقة، ولكنه (الوحيد) كذلك الذي قدّر – وبحق – زوال أساب تمديد حالة الطوارئ ومن ثم العودة للحياة الطبيعية وهو ما يعني انتصار الدولة بشكل حاسم في معركتها ضد غياب الأمن وعدم الاستقرار، ودخول مصر إلى مرحلة جديدة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو كذلك (على حد تعبير سعادة السفير بسام راضي): "ليس بسبب الاستقرار الأمني فقط، بل هو المفهوم الشامل للاستقرار الذي تشهده مصر الآن".

والحقيقة أن الدستور الصادر عام 2014 قد حدد صراحة قواعد وإجراءات إعلان حالة الطوارئ ؛ فنص في المادة (154) على أن: "يعلن رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأي مجلس الوزراء حالة الطوارئ، على النحو الذي ينظمه القانون، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية ليقرر ما يراه بشأنه. وإذا حدث الإعلان في غير دور الانعقاد العادي، وجب دعوة المجلس للانعقاد فورا للعرض عليه. وفي جميع الأحوال تجب موافقة أغلبية عدد أعضاء المجلس على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر ".

وتتابعت تلك القواعد في الفقرة الثانية من ذات المادة (154): "ولا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة، بعد موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس. وإذا كان المجلس غير قائم، يعرض الأمر على مجلس الوزراء للموافقة، على أن يعرض على مجلس النواب الجديد في أول اجتماع له. ولا يجوز حل مجلس النواب أثناء سريان حالة الطوارئ ".

ومن ثم تكون الطوارئ (حالة استثنائية).. ولمدة محددة.. وحين انتهائها؛ تعود البلاد ل (الحالة الطبيعية) بسريان القواعد القانونية العادية وليست الاستثنائية، والإجراءات الجنائية السارية في مصر، دون حاجة صدور لأي قرار جمهوري آخر.

والقرار الجمهوري الأخير يحمل رقم 290 لسنة 2021 بمد حالة الطوارئ المعلنة في جميع أنحاء البلاد، لمدة ثلاثة أشهر، تبدأ اعتبارًا من الساعة الواحدة من صباح يوم السبت الموافق الرابع والعشرين من يوليو عام 2021 ميلادية، وذلك بعد أن وافق عليه مجلس النواب.

وهذا يعني أنه بحلول يوم الثالث والعشرين من شهر أكتوبر عام 2021 ميلادية انتهت حالة الطوارئ المعلنة في مصر، وعادت القوانين الطبيعية للتطبيق، دون حاجة لأي إجراء آخر.

والتاريخ يحدثنا أن حالة الطوارئ ليست جديدة على مصر، فمنذ عام 1914 أيام الاحتلال البريطاني، واشتراك بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، شهدت مصر فرض قوانين استثنائية توسّع صلاحيات السلطات الحاكمة وقتها للتصرف بما تراه مناسبًا لفرض الأمن والنظام في البلاد.

كما كانت هناك قوانين استثنائية مازالت قائمة منذ العقد الثاني من القرن الماضي، تحت ما يُعرف بـ«الأحكام العرفية»، فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى فرض الاحتلال البريطاني تلك الأحكام في مصر للمرة الأولى، وعيّن حاكماً عسكرياً للبلاد، وتضمن دستور البلاد 1923 النص الأول الذي ينظم تلك الأحكام العرفية، حيث نصت المادة (45) من الدستور على أن يكون الملك هو من يعلن الأحكام العرفية، مع ضرورة عرضها فوراً على مجلس الأمة، ليقرر استمرارها أو إلغاءها.

وبين عامي 1939 و1943 أُعيد فرض الأحكام العرفية مجددًا في البلاد، وبقيت سنوات مفروضة نظراً إلى الظروف حينها، فجرى فرضها على إثر الحرب العالمية الثانية، وبقيت طوال فترة الحرب، وكذلك بعد دخول الجيش المصري في حرب فلسطين 1948، الأمر ذاته تكرر في يناير 1952، عقب أحداث حريق القاهرة، قبل أشهر قليلة من ثورة يوليو 1952، المجيدة بقيادة الضباط الأحرار ومباركة شعبية كبرى، واستمرت طوال السنوات الأولى من عمر الثورة.

وبعد زوال المحتل البريطاني وخروج القوات العسكرية من مصر، فرضت «حالة الطوارئ» للمرة الأولى مع بدء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، والذي شنته القوات البريطانية والإسرائيلية والفرنسية، عقابًا لمصر بعد تأميم قناة السويس التي كانت تديرها بريطانيا.

وعلى مدار 13 سنة بقيت البلاد في حالة طوارئ منذ العدوان الإسرائيلي على مصر في 5 يونيو 1967، وعلى الرغم من رفعها في نهاية عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات 18 شهرًا، لكنها عادت مجدداً بعد اغتياله في أكتوبر 1981، واستمر العمل بها طوال فترة حكم خلفه الرئيس الراحل حسني مبارك على مدى 30 سنة.

وعلى الرغم من أن إلغاء الطوارئ كان من بين المطالب الرئيسة التي دعت إليها أحداث 25 يناير عام 2011، فإن فرضها عاد مجدداً بعد اقتحام مقر السفارة الإسرائيلية بالقاهرة في سبتمبر عام 2011 ذاته، وجرى تجديد العمل بها حتى مايو 2012 (أعلن حينها رسمياً إيقاف العمل بالطوارئ) في نهاية إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للبلاد.

وعاد فرض قانون الطوارئ لمواجهة الجرائم الإرهابية والترويع والعنف الذي شهدته البلاد عقب ثورة 30 يونيو 2013 المجيدة، وجاء أول فرض لها مجدداً في أغسطس 2013 في أعقاب فض اعتصامي رابعة والنهضة في عهد فخامة الرئيس السابق المستشار الجليل عدلي منصور، وبقيت شهراً أيضًا.

وعلى أثر ارتفاع منسوب العنف والإرهاب في البلاد، قرر فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي إعلان حالة الطوارئ في سيناء منذ نهاية 2014، واتسعت لتشمل كل أراضي الجمهورية منذ أبريل 2017، وتحديداً بعد حادثة استهداف كنيستين بالإسكندرية وطنطا، أسفر عن مقتل وإصابة العشرات، ثم توالت أحداث الإرهاب، وجائحة كورونا العالمية، ويجري تجديد حالة الطوارئ كل ثلاثة أشهر بموافقة مجلس النواب وفق النص الدستوري الحاكم.

وختامًا تبقى عبارات فخامة الرئيس المتضمنة قراره التاريخي بإلغاء مد حالة الطوارئ – سالف الإشارة إليها -، ماثلة في وجدان المصريين، بدلالاتها الصادحة بالحق والصادعة للمشروعية القانونية ؛ درسًا لكل بلاد العالم، بأن على قمة سدة الحكم في مصر (رئيس) يبادل شعبه حبًا بوفاء، وإخلاصًا بعطاء، وصدقاً بإباء. 

 حفظك الله فخامة الرئيس،،

 [email protected]

كلمات البحث
أول أكتوبر …

أول أكتوبر د. خالد القاضي يكتب: في أول أكتوبر تتزامن بدايات سنة قضائية - برلمانية - دراسية ، بعد انتهاء إجازات الصيف، لتتواصل مسيرة الوطن بعطاءاته

د. خالد القاضي يكتب: حكمة تناوب الفصول في رمضان

من أعظم مظاهر الحكمة الإلهية لشهر رمضان المعظم، ارتباط توقيته كشهر هجري مع حركة دوران الأرض حول الشمس، ومن ثم تناوب الفصول الأربعة (الشتاء الربيع الصيف الخريف)

د. خالد القاضي يكتب: المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية

كان حُلمًا، فخاطرًا، فاحتمالًا.. ثم أضحى حقيقة لا خيالًا.. ذلك المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية حول النمو السكاني في مصر، الذي دشنه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي أول أمس الإثنين 28 من فبراير 2022

د. خالد القاضي يكتب: المستشار بولس فهمي قدوة في العمل القضائي وحب الوطن

سنوات طويلة قضاها المستشار بولس فهمي الرئيس الجديد للمحكمة الدستورية العليا، في محراب النيابة العامة والقضاء، وهو ما أتاح لأجيال متتالية من أعضاء النيابة

د. خالد القاضي يكتب: وسام الاستحقاق للمستشار سعيد مرعي

في تقليد رئاسي رفيع، لرؤساء الجهات والهيئات القضائية عند تقاعدهم، يمنحون وسام الجمهورية، وفقًا لقانون الأوسمة والأنواط المدنية الصادر بالقانون رقم 12 لسنة

د. خالد القاضي يكتب: شاهد على معرض القاهرة الدولي للكتاب

من الأحداث الجوهرية في حياتي ارتباط مولدي عام 1967، ببداية التفكير في تظاهرة ثقافية عالمية للكتاب تقام على أرض الكنانة مصرنا الغالية، وفي قلب قاهرة المعز

د.خالد القاضي يكتب: ذكرياتي في عيد الميلاد المجيد

نحتفل نحن المصريين جميعًا هذه الأيام مع مليارات البشر حول العالم - بعيد الميلاد المجيد، وهو العيد رقم 2022، وتتداعى إلى ذاكرتي مواقف ومشاهد عديدة كنتُ

القانون يحمي المغفلين .. (أحيانا!!)

يعتقد البعض أن مقولة القاضي الأمريكي (القانون لا يحمي المغفلين) قاعدة قانونية، أو فوق القوانين، والحقيقة غير ذلك تمامًا، فلا تعدو أن تكون تلك المقولة

الأكثر قراءة