آراء

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: أفكارنا وعلامات الترقيم

31-10-2021 | 16:37

فارق كبير بين اختلاف الرأي والخلاف في الرأي؛ الأول ينظر للموضوع من زاوية ومسافة تختلفان عن غيره فيصف ما يرى، أما الثاني، فلا من زاوية نظر، ولا من مسافة قَدر، الأول يراعي ويحقق مبدأ (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية)، والثاني يسعى لإفسادهما معًا؛ الرأي والقضية، الأول متسامح يقبل أفكار غيره، والثاني متطرف يرفض الآخرين.

 يساعد اختلاف وجهات النظر حول موضوع بعينه على الإحاطة بالتفاصيل قدر الإمكان، يمنحنا نظرة شاملة تراعي الدقيق والعظيم.

 كان أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود قد ضرب مثلاً مفاده؛ إذا رسمت دائرة ووضعت في مركزها حِصَانًا، ثم وزعت على محيطها عدة رسامين وطلبت من كل منهم رسم الحصان، فسوف تحصل على عدد لوحات يساوي عدد الرسامين، لن تجد لوحة تشبه الأخرى؛ واحدة ترسم رأس الحصان وتوضح تفاصيلها؛ هيكلها، العينين الواسعتين السوداوين اللامعتين وأهدابهما الطويلة طول سنابل القمح، وأخرى تُظهر جانبه الأيمن؛ انسيابية قوائمه، تفاصيل عضلاته، وبطنه الهضيم، ولونه الضارب بين الحمرة والسواد (ِمُنجَرِدٍ قَيدِ الأَوابِدِ هَيكَلِ)، كما وصفه امرئ القيس، ولوحة أخرى تظهر الذيل وانسيابية العُجُز وقوة سَاقيه حتى تظنه (جُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ).

 وهكذا، تختلف اللوحات، وجهات النظر، ويظل الموضوع واحدًا؛ الحصان، وحين يجتمع الفنانون حول اللوحات يناقشونها ويتدارسونها لا يُنكرون أعمال غيرهم، إنما يبحثون عن جماليات الفن وسبل الرقي.  

 أما الخلاف في الرأي، فيتأسس على غير موضوع، يطرح نقاطًا للخلاف تأخذ الجميع إلى مسارات بعيدة كل البعد عن جوهر الأمر، فإذا ترك المجتمعون أنفسهم للتيار انتبهوا وقد بَعُدَت بهم المسافات وتفرقت بهم السبل.

 في فيلم البابوان، The Two Popes، قدم السير أنتوني هوبكنز دور البابا بينديكت السادس عشر، والفنان جوناثان برايس دور البابا فرانسيس، الأول سلفي متزمت ينظر في قضايا اليوم من ثقب الماضي، والثاني يطل عليها من فضاءات الحاضر والمستقبل.

 سأل فرانسيس صديقه، هل يُسمح بالتدخين أثناء الدعاء، فأجابه بينديكت بحدة (لا)، فعاد فرانسيس مبتسمًا وسأله، هل يُسمح بالدعاء أثناء التدخين، فهز الآخر رأسه وغمغم على مضض (نعم).

 الفعل واحد، لكن زوايا النظر مختلفة، حمل فرانسيس البابا بينديكت على النظر من زاوية مختلفة، فاكتشف نتيجة مغايرة، وإن لم يفوتها الثاني فقال له في شيء من اتهام (لقد تنازلت)، فهز فرانسيس رأسه وعقب (لا. لقد تغيرت)، فارق كبير بين التنازل والتغيير.

لكل إنسان بناؤه الفكري؛ عدد الأدوار ومساحاتها؛ هناك من ينظر من ارتفاع دور واحد، وهناك من يطل من شاهق، تتشكل الأدوار من مصهور الثقافة، التعليم، الدين، الموروثات، العادات، التقاليد، وغيرها، وبحسب ارتفاع كل طبقة يعلو البناء، المميزون هم الساعون لبناء دور بانورامي؛ يطلون منه على كل الزوايا والاتجاهات، يمنحهم نظرة شاملة تجمع بين فوقية نظرة طائر يعرف مواقع الجزر وأبعادها وعلاقتها ببعضها البعض، وعمق الغواص الـمُبحرُ عميقًا تنقيبًا عن اللآلئ، يَندُر في حديثهم النُقط وتكثر علامات الاستفهام.

 يحدد استخدامنا لعلامات الترقيم شخصياتنا، يضع المتسامح في نهاية استنتاجاته علامة استفهام، ويضع المتطرف نقطة، تغلق النقطة باب الاجتهاد، تُصدر أحكامًا بلا استئناف، باختصار ترفض الآخر، بينما تُبقي علامة الاستفهام باب الاجتهاد مفتوحًا؛ لا يكتفي صاحبها بالحكم بما سمحت به نافذته، لعلمه أن هناك نوافذ عدة حتى وإن لم يرها، دَوَّنَ ديميتري مندلييف الخواص الكيميائية للعناصر في جدول دوري طبقًا لأوزانها الذرية، وترك فراغًا لتلك التي لم يستطع معرفتها، اكتفي بوضع علامة استفهام، ماذا لو كان تعنت ووضع نقطة.

 [email protected]

نقلاً عن الأهرام المسائي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. محمد مصطفى الخياط يكتب: 2022 .. الوطن العربي في مفترق طرق

تعددت تأويلات النقاد والكُتاب حول قصيدة (قارئة الفنجان)، هناك من قال إنها تعبر عن قلق نزار قباني من المستقبل بعد نكسة 1967، وهناك من كتب إنها فلسطين الآن

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: كلهم في العشق قيس .. وكلهن في الحب ليلى

ما زال مشهد الريحاني في فيلم غَزَل البنات يمسح دموعه تأثرًا مما أهاجه فيه شدو الموسيقار محمد عبدالوهاب بأغنية (عاشق الروح)، من عشق كواه، ومحبوبة شغلت بغيره،

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: حفظ الله الوطن

وجه عربى أصيل تكسوه مسحة لطيفة من شمس إفريقيا السمراء. حوراء لم تر عيناي أجمل من عينيها، حبتين بلون البندق، لامعتين، هادئتين، واسعتين، صافيتين، لوزيتين

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: تغير المناخ وشجرة النبق

انزلق حديث عابر - مع أحد الأصدقاء - لعادات وتقاليد ارتبطت بمراحل مختلفة من سنوات حياتنا. هربنا معًا إلى مراتع الصبا. تذكرنا تفاصيل دفناها منذ سنوات طوال تحت البلاطة

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: شآبيب .. الصياد والطريدة

بحرفية عالية ترسم رواية شآبيب للدكتور أحمد خالد توفيق، رحمه الله، حال المهاجرين العرب سواء أقاموا بإحدى ضواحي مدينة أوروبية متقدمة كالنرويج، أو حارة فقيرة بدولة إفريقية مثل ليبيريا

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: التضخم .. ذلك الضيف الثقيل

ظهرت مجلة (ذى إيكونوميست) البريطانية مؤخرًا وعلى غلافها صورة لشرائط صَفراء اللون كُتب عليها ما يتعرض له الاقتصاد العالمي من مخاطر؛ فيروس أوميكرون، والركود الصيني، وأخيرًا التضخم

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: الطاقة المتجددة والتحول نحو الحلول المتكاملة

في أيامه الأولى على كوكب الأرض، تعامل الإنسان مع البيئة المحيطة بغرض تأمين احتياجاته الغذائية، لم يكن في حاجة لأكثر من 2000 سعر حراري يوميًا، تكفيه للبقاء على قيد الحياة، كان نباتيًا حتى النخاع.

محمد مصطفى الخياط يكتب: المهاجر .. لم يعد هناك ما يعود إليه

رغم رحيله عن عالمنا منذ أكثر من عشرين عامًا، إلا أن صوته وكلماته لا يزالا حاضرين بيننا. عرف العالم العربي نزار قباني شاعر حبٍ أكثر مما عرفه سياسيًا مطاردًا

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: المناخ .. الصفرُ هدفًا

اختلفت الروايات بشأن الصفر. قيل اخترعه الهنود، ونفي آخرون مؤكدين؛ بل العرب، واكتفي هو بالصمت، معتزًا بنفسه ومحافظًا على حياديته بين اليمين الموجب واليسار

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: بين الشيخ حسني وبنيامين

لم تكن الجملة التي ابتكرها إبراهيم أصلان (1935 2012) في روايته مالك الحزين ورددها الراحل محمود عبد العزيز في فيلم الكيت كات، (دا أنا أشوف أحسن منك

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة