الرأى

منهج النبوة في بناء الشخصية الإنسانية

28-10-2021 | 15:34
منهج النبوة في بناء الشخصية الإنسانيةمنهج النبوة في بناء الإرساءشخصية الإنسانية

 

بقلم : د. عبد الحليم منصور

في هذه الأيام يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام، ومن صور هذه الاحتفالات تذاكر سيرته العطرة، وتدارس منهجه في نشر الدعوة الإسلامية، ومن أهم ما يمكن تدارسة وتناوله بالشرح والتحليل في هذه المناسبة العطرة، منهجه صلى الله عليه وسلم في بناء الشخصية الإنسانية، ويبدو لي أن منهج النبوة في بناء الإنسان يتجسد فيما يأتي:

أولا – الإيمان بالأديان السماوية قاطبة: ذلك أن المسلم يؤمن بالرسالات السماوية جمعاء، فضلا عن إيمانه بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:" آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " البقرة : (285) وهذا يعطيه أريحية في قبول الآخر، والتعايش معه تعايشا سلميا على النحو الذي أمر به القرآن الكريم في قول الله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " الحجرات : (13)

ثانيا – احترام عقيدة دون إكراه: من أهم ما يتميز به الإسلام في بناء شخصية أبنائه، هو عدم إكراه الآخرين على العقيدة الإسلامية في ضوء قول الله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" البقرة: (256) وأن مهمة المسلم هو تبليغ رسالة الإسلام على النحو الذي كلف به الرسول عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: "إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ" الشوري : (48)

ثالثا – إقامة العدل مع كافة البشر: من أهم ركائز الشخصية الإسلامية إقامة الحق والعدل مع كافة البشر وإن اختلفت دياناتهم، لأن الحق قامت عليه السماوات والأرض، ولأن إقرار العدل ركن أساسي في الإسلام ولو على المخالفين قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ" المائدة : (135)

رابعا – عدم التمييز بين البشر:

من أهم ما صبغ به الإسلام أبناءه صبغة المساواة بين البشر، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قد حارب التفرقة في المعاملة بسسب الألوان، وشدد النكير على من يعمل هذه التفرقة، فليس في الإسلام بمقتضى مبادئه اختلاف في المعاملة بسبب اختلاف الألوان، وإن التفاوت بين الناس بالعمل لا باللون، أو الجنس، أو غير ذلك، فقد ورد عن عن بن عمَرَ أنَّ رَسولَ اللّهِ خطَبَ الناس يوم فَتحِ مكَّةَ فقال "يا أَيّهَا الناس إنَّ اللّهَ قد أَذهَبَ عَنْكمْ عبِّيَّةَ الْجَاهلِيَّةِ وتَعَاظُمَهَا بآبَائِهَا فالنَّاسُ رجُلَانِ برٌّ تَقيٌّ كَريمٌ على اللّهِ وَفَاجرٌ شَقيٌّ هَيّنٌ على اللّهِ والنَّاسُ بنُو آدمَ وخَلَقَ الله آدمَ من تُرابٍ".

خامسا – التعاون الإنساني: إن التعاون الإنساني مبدأ أصيل قرره القرآن الكريم بين الناس جميعا قال تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" المائدة :(2) ومن ثم فالتعاون الإنساني فيما فيه نفع البشرية مبدأ أصيل في الإسلام، وهو قوام الحياة، والأمة كلها وقد نفذ النبي عليه الصلاة والسلام مبدأ التعادون الإنساني عندما جاء المدينة فعقد مع اليهود حلفا أساسه التعاون على البر، وحماية الفضيلة، ومنع الأذى، حتى يتعاون الجميع فيما فيه نفع للبشر على اختلاف دياناتهم، ومعتقداتهم، ويقرر النبي عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ في قوله: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

سادسا – مبدأ السلام: يكرس الإسلام في نفوس أبنائه مبدأ مهما يؤصل من خلاله أن السلام أصل في العلاقات الإنسانية بين الشعوب، وأن الحرب لم تشرع في الإسلام إلا لأجل الدفاع عن مقاصد الحق في الخلق قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" البقرة : (208) على هذا النحو أسس النبي وأصل أساس العلاقات الإنسانية، وأن الحرب أو الجهاد لم يشرع إلا لتحقيق نظرية الدفاع الشرعي التي اعترف بها العالم الآن وأسس لها في كل تشريعاته واتفاقاته.

سابعا – التسامح: يكرس الإسلام في نفوس أتباعه مبدأ التسامح مع الآخر، وعدم النيل منه، قال تعالى: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" الحجر : (85) وقال تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" الأعراف : (199)على هذا النحو بني الرسول عليه الصلاة والسلام شخصية أتباعه، في جو من السماحة والعداله، والاعتراف بالآخر، والعيش معه في أمن وسلام، وكفل حق الدفاع الشرعي من أجل رد الاعتداء دون تجاوز، مع الاعتراف للآخر بحقه في اعتقاد ما يشاء، مع التعاون الإنساني، والإخاء بين الشعوب، لينتفع الجميع بخيرات الكون، ولتزدهر الأرض بمن فيها ومن عليها، ألا ما أحوج الشعوب لمثل هذا في أيامنا هذه لينعم الجميع بالسلم والسلام، والأمن والأمان في هذا الكون الفسيح.

تابعونا على
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة