الرأى

كُلهم عبيد

28-10-2021 | 15:34
كُلهم عبيدكُلهم عبيد
Advertisements

بقلم: د. داليا مجدي عبد الغني

كلمة "عبد" عادة ما كانت تُستخدم قديمًا بمعنى الخادم المملوك الذي يُباع ويُشترى، ولا إرادة له ولا حرية، وهذا هو المعنى والمدلول المادي لها الذي جُبِلَنا على استعماله، وهناك من يظن أن عصر العبيد قد انتهى وولى، ولكن العبد هو إحساس وسلوك قبل أن يكون معنى مُحددا في اللغة أو في المُعجم، فإحساس الإنسان بالاستعباد لا يرتبط بوضعه المادي، أو الأدبي، أو الاجتماعي، أو حتى بقدر ثقافته وحيثيته المُجتمعية، بل العبد شُعور نفسي داخلي لا يُشترط فيه الاستمرارية، بل يُمكن أن يكون مُؤقتًا، أي مُرتبط بلحظة مُعينة أو موقف مُحدد، وللأسف، ذلك الموقف هو الذي يجعل الإنسان يعرف هل هو من العبيد أم من الأسياد؟

فالعبد يعلم تمام العلم أنه يفعل أشياء تخلو تمامًا من عنصر الإرادة وتنتهي به إلى تلاشي الكرامة، وإن كان يُبرر ذلك السلوك ويُؤوله حتى يُوجد لنفسه أسباب لسلوكياته غير المنطقية، ورغم أن تلك السلوكيات تكون نابعة من قراراته الشخصية التي لا يُرغمه عليها أحد، لأنها تنبعث من رغباته وأهوائه التي لا يستطيع أن يكبح جماحها، أو يُكربجها وقت اللزوم.

فعلى سبيل المثال عبد المال تجده يستسلم تمامًا لمالك المال، ويتقبل منه أي كلمة أو سلوك حتى ولو كان جارحًا، والسبب أنه يبحث عن المال الذي يُريد أن يتملّكه بأي شكل، رغم أنه قد يُفرّط في كرامته في سبيل الحصول على ذلك المال، وهنا يتحول إلى عبد لاإرادي، وكذلك عبد السلطة الذي يستخدم كل وسائل النفاق والرياء والتملّق في سبيل الوصول إلى المكانة الاجتماعية التي ينشدها، ويظن أنه ذكي اجتماعيًا، في حين أنه في حقيقة الأمر تحول إلى عبد ذليل يبذل الغالي والنفيس في سبيل الوصول إلى مآربه. وهناك عبد الشهوات والرغبات الدنيئة، مثل مَنْ يسلك طريق المُحرمات لكي يجد اللذة والمُتعة، فهذا عبد بلا نقاش تُحركه شهواته ورغباته وأهواؤه ولا يصده عنها دين، أو أخلاق، أو مبادئ، أو قيم، فهو يبحث فقط عن إرضاء ذاته الدنيئة على حساب كل شيء.

بالقطع كل من سيقرأ الأمثلة السابقة، سيشعر أنها تقليدية ولا جديد فيها، وأنها أنماط موجودة في المُجتمع منذ بدء الخليقة، وستظل موجودة حتى نهاية الحياة على الأرض، فهي وُلدت مع ولادة بني آدم، وستنتهي بنهايته. ولكن هل تعلمون أن هناك عبيدا من نوع آخر، فللأسف، كلمة العبد ارتبطت إلى حد بعيد بعُبودية الأشياء أو عُبودية المظاهر الكاذبة، أو عُبودية المعاني الزائفة.

ولكن في الحقيقة هناك عُبودية مُرتبطة بالمعاني الجميلة، ولكنها رغم ذلك تكون عُبودية فتتحول إلى إحساس سلبي رغم أنه في الأساس مبني على معنى إيجابي وأحاسيس نقية، فمثلاً من يُحب إنسانًا لدرجة لا تُقاوم، فيستغل الطرف الآخر ذلك التعلق، ويبدأ في استغلاله نفسيًا وعصبيًا، والطرف الأول يتقبل كل الضغوط بسبب عدم قُدرته على الابتعاد عمن يُحبه، فهل نُنكر أن هذا نوع من أنواع العُبودية.

وكذلك من تستعبده فكرة التعاطف والشفقة على الآخرين، لدرجة أنه يُضحي بحياته من أجل تعاطفه مع غيره، فيظلم نفسه ظلمًا بينًا، وهناك يتحول إلى أداة تُسعد غيره، في حين أنها لا تشعر بأي سعادة، فرغم أنه يُفني نفسه من أجل معنى نبيل، إلا أنه أصبح عبدًا لأحاسيسه.

فصدقوني، العُبودية إحساس يستسلم له الإنسان ويُوجد له مليون مُبرر ومُبرر، لكي يُبرر استسلامه لإحساسه، وما أعظم مُبررات الإنسانية والمعاني النبيلة لكي يستمر في إحساسه، ويظل يسير في أفكاره التي تُسلمه إلى العُبودية يومًا بعد يوم، حتى تتلاشى كرامته، ويعتاد على الاستسلام التام.

وفي النهاية، إذا كانت كلمة العُبودية وُجِدَتْ منذ قديم الأزل بمعنى المملوك مسلوب الإرادة، فالآن هي أشد وطأة لأننا اليوم أحيانًا ما نقبل العُبودية ونرتضي الاستعباد بكامل إرادتنا ووعينا، والمُبررات لدينا جاهزة ومُعدة مسبقًا، وهي إحساسنا وأحلامنا وطُموحاتنا وإنسانيتنا، ولكن لا تُصدقوا أنفسكم، فالعُبودية هي العُبودية، وأي إحساس مهما بلغت درجة رُقيّه، طالما وصل بصاحبه إلى درجة العُبودية، فهو إحساس باطل وقاتل، فلا تجعلوا من تلك الأحاسيس حُجة ومُبررا للاستعباد، فما أصعب استعباد النفس لذاتها، فهذا هو أبشع أنواع العُبودية، وهنا لا فرق بين العبد المملوك، وعبد السلطة والمال، وعبد الحب والإنسانية، ففي الواقع كُلهم عبيد.

تابعونا على
اقرأ أيضًا:
Advertisements
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة