آراء

د.محمد حسين أبوالعلا يكتب: "بوتين" والميكروسكوب النفسي

26-10-2021 | 19:25

قليلة هي النماذج والأيقونات السياسية التي أخضعها العلماء لمتاهات التحليل النفسي باعتبارها ذات طابع مركب تتمحور أبعاده في معادلات متناقضة تثير الدهشة؛ لأنها قد تجاوزت كثيرًا خطوط المألوف والمعتاد، فلا تزال شخصية "هنري كيسنجر" مهندس الإستراتيجيات الكبرى تحظى باهتمام بالغ من حيث تأصل نوازع نفسية وفكرية خاصة تتجلى فيها سمات التميز والألمعية وتبرز فيها الفروق الفردية وتتبدى فيها أيضًا درجة من التعقيد تستوجب الفهم والدراسة والاستقصاء ويطوقها في مجملها وعي مستقل نادر متجدد يتصدى للمعضلات.. له بريق تطمسه الأحداث أو تزلزله العواصف، يتحسب للحظات.. وعي مسكون باللا مفكر فيه...وعي طارد لفكرة الخطأ!!

 
ولقد كان أحدث طراز لكل ذلك كاريكاتير سياسي يصور الملامح النفسية ويبرز قسمات الداخل وما يخترقها من خواف وأعماق وهواجس تجوب المحيط الكوني وتطويه... 
 
إنها الشفرة البوتينية التى خطها الأكاديمي الأمريكي الشهير في جامعة (سراكيوز) الأمريكية "براين تيلور" في أحدث أطروحاته التي لم تخرج سيناريوهات "هلسينكي" عن أطرها، فقد خاض "تايلور" في تحليل تلك الشفرة معتمدًا منهج عالم الاجتماع الشهير "ماكس فيبر" الذي لا يعلق تفسير تصرفات الزعماء والقادة على مسار الدوافع العقلانية فحسب؛ وإنما يرتكز على عاداتهم ومشاعرهم وقبل ذلك كانت طريقة التفكير وهندسته أهم ما يعنيه، ومن ذلك فإن قرارات بوتين وسياساته تظل محكومة برؤيته نحو أن تكون روسيا قوة عظمى يؤازرها إحساسه الغاضب تجاه الغرب عامة وأمريكا بشكل خاص، وعلى ذلك فالبوتينية هي أسلوب وتكنيك في الحكم يتحدد وفق رؤية شخصية في لحظة تاريخية معينة، وقد استوثق "تايلور" من ذلك حين أخضع كافة أحاديث "بوتين" على اختلاف مناحيها لتحليل محتواها وما يعكسه من رؤى وتوجهات وأفكار وميول ومشاعر. 
 
منتهيا إلى أن فك الشفرة البوتينية إنما يعتمد على ممارسة سياسية تجمع بين الاحتواء والمشاركة وهو ما يدفع نحو فهم سياسة روسيا الخارجية ويعد عاملا مهمًا في إدارة العلاقات الثنائية بطريقة تحقق مصالح روسيا قبل كل شيء وأي شيء، ومن هنا فقد جاء مشهد "هلسنكي" مطابقًا إلى حد بعيد أبعاد رؤية "تايلور".
 
ولعل كل ذلك إنما يمثل دعوة صريحة لأن تنهض دراسات علم النفس السياسي وتقتحم كافة الأبعاد النفسية للشخصيات السياسية في عالمنا العربي وتخوض في سيكولوجية الزعماء للوقوف على الأغوار الحقيقية التي كانت مصدرًا حيويًا لقرارات غيرت التاريخ  العربي إيجابًا أو سلبًا ويدفع نحو الاقتراب من دوافع ذاتية القرار أو عموميته وموضوعيته طبقًا للظرف التاريخي، وعلى ذلك يكون التقييم على درجة كبرى من الاعتدالية والمصداقية وهو ما يمثل إضافة لافتة لفهم التاريخ السياسي، فلا يعقل أن يفهم هذا التاريخ وهناك منقوصات كان يمكن أن تكون معيارًا للحكم الدقيق المناقض بالطبع لسيادة العشوائية الضاربة في مناح الحياة.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: عالم على مقصلة العنصرية

لم يحمل تاريخ الدولة العبرية طيلة أمده أية فضيلة يمكن أن يسجلها في الفضاء الحضاري المعاصر، ولا تستشعر الذات العبرية بخطورة هذه النقيصة الإنسانية الكبرى،

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: إثبات الثابت .. إسقاط للطموح التاريخي

تظل القضايا الكبرى في حياة الشعوب تحتل بؤرة حيوية في العقل الجمعي، وتظل أيضًا تلك القضايا المهددة للوجود تغزو هذا العقل مشعلة داخله ثورة وعي وثورة إيمان

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: سؤال المستقبل

في لحظة غرائبية انتقل التاريخ من حالة الإبداع الفردي إلى النمطية الجماعية، من حركة تطورية إلى ارتداد سحيق، من أجواء الصخب إلى كهوف الصمت، من عقيدة الاجتماع

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: أمريكا و"جلجامش" .. الغرام بسرقة التاريخ

نحن نناشدتكم على الدوام ألا تقولوا.. هذا أمر طبيعي إزاء ما يعترضكم من الأحداث كل يوم، فى زمن يسوده الاضطراب وتسيل فيه الدماء ويدين بالفوضى ويقوم الظلم

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: رايات الكراهية فوق الأقصى

تحول صارخ مثير مستفز عاصف لقضية الأقصى نحو منعطف خطير غير مسبوق، لكنه بالضرورة المنطقية كان يتوقع وينتظر حدوثه بين آن وآن، وماذا يمنع حدوثه وموجات التصعيد

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: الجوع والوعي الإمبراطوري

بين لحظات الشموخ والانكسار دائمًا ما يقدم المشهد التاريخي للإمبراطوريات لمحات من رسالتها تجاه الشعوب والأمم، سواء ارتبطت هذه اللمحات بتأزمات أو كوارث أو

د. محمد حسين أبو العلا يكتب: كلمة في ذكرى حريق الأقصى

نصف قرن من الاعتداءات الصارخة والانتهاكات الفجة والممارسات اللا إنسانية، نصف قرن والعالم يغوص في عوالم الصمت والتجاهل واللامبالاة، نصف قرن والهوية الدينية

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة