راديو الاهرام

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

26-10-2021 | 11:23

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: "يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح"؟! ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة المعادل للقوى الناعمة في مصرنا المحروسة:
(يارجـــال العلــــم .. يامِلح البلد ** من يُصلح المِلــح .. إذا المِلح فسد)؟!
مقولة رائعة تعكس مدى فلسفة العرب الذين علموا وأرشدوا العالم إلى طريق "الحكمة" واستخدامها لإصلاح المجتمع؛ بداية من تربية النشء على حب الفضيلة والأخلاق الحميدة.
 
ولست بصدد الإعلان عن: لماذا ومتى قيلت تلك الحكمة الرائعة وفي أي عصر؛ ولكننا نتذكرها بمناسبة البدء في عام دراسي جديد؛ يُعد بمثابة البدء في نثر البذور الطيبة في الأرض الطيبة؛ لتأتي لنا النتائج بالشجر والثمر، ولنكون تمامًا كالفلاح الفصيح الذي يعرف أين ومتى يبذر بذرته في أعماق الأرض.. وبكل الإيمان الفطري القوي في قلبه وروحه.. و"يترك الباقي على الله"! ونعم بالله؛ ولكن مع تقدم العلوم التي منحها الله لعقول البشر؛ صار لابد من تعضيد الإيمان البشري الفطري؛ بتضفيره بما وصلت إليه البشرية من العلوم كافة؛ تحقيقًا لما أمرنا به الله جل شأنه حين قال: "وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا"! (طه 114).
 
وكلنا ـ بالطبع ـ يعلم أن الأساتذة والمعلمين؛ وكل من يحمل على أكتافه عبء التصدي لممارسة مهنة التدريس الشاقة والمقدسة في آن معًا؛ هُم أيضًا مِلح الأرض ــ بالمعنى المجازي الذي تعارفنا عليه ــ وهم قاطرة التنوير التي تسير على قضبان الفضيلة والأخلاق السويَّة الحميدة التي تنهض على مبادئها الأمم؛ كي يتم تحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يفتح بدوره أبواب الرخاء والرفاهية داخل كل التجمعات البشرية.

وكان الهدف الأسمى لتحقيق القدر الأكبر في ضمان المستوى الرفيع لكل من يقوم بتلك المهمة داخل المؤسسات التعليمية ـ القومية أو الأهلية ـ هو الاهتمام بمتابعة وتحديد السلوك الخُلُقي للأستاذ الجامعي في المجال الأكاديمي؛ على أن تتم تلك المتابعة بواسطة أعضاء هيئة التدريس القدامى؛ وتقديم التقرير الوافي عن مدى كفاية وكفاءة الأستاذ الجامعي في عملية التدريس وطرائقها؛ والوقوف على مدى تعامله مع الموضوعات ذات الحساسية الخاصة داخل قاعة التدريس؛ ورصد مدى قدرته على تنمية التفكير العلمي والاستقلالية الفكرية لطلابه؛ ومعرفة العلاقة الثنائية بينه وبين الجموع بكل الأمانة والثقة؛ لأن هذه الأخلاقيات تمثل عنصرًا أساسيًا فاعلاً في تحسين ـ بالمنطق العلمي والتكنولوجي ــ مخرجات المؤسسة الجامعية وتطويرها.
 
ولعلي أستطيع أن أقدم للقارئ ـ غير المتخصص ـ مدى الجهد الذي يبذله "طالب العلم" منذ المراحل التعليمية الأولى والخروج من عنق الزجاجة في المرحلة الثانوية؛ حتى يندرج تحت عباءة التعليم الجامعي بتفوق.. ومروره بالمراحل التالية للدخول في عباءة "السيكولوجية الأكاديمية" كما يُطلق عليها؛ وللحصول على مايسمى بـ "الرتب الأكاديمية": 
معيد: حاصل على البكالوريوس أو الليسانس - عادة ما يعيّن من ضمن الطلاب الأوائل على دفعته-.
مدرس مساعد: حاصل على درجة الماجستير.
مدرس: حاصل على درجة الدكتوراه.
أستاذ مساعد: يكون قد أمضى على درجة مدرس ما لا يقل عن خمس سنوات وقام بنشر أبحاث علمية والإشراف على مشاريع تخرج ورسائل علمية وأعمال إدارية بقدر تحدده المجالس المختصة ليتمكن من الترقي لدرجة أستاذ مساعد. .
أستاذ: شروط الترقي لأستاذ مساعد ذاتها مع فرق القدر المطلوب والذي تحدده المجالس المختصة كذلك.
أستاذ متفرغ:‏ الأستاذ بعد تخطيه سن الستين حيث يُعفى عضو هيئة التدريس من المناصب الإدارية إلا في حالات الاقتضاء.
 
وفي كل تلك المراحل العلمية والمثابرة على التحصيل الجاد والهادف في مجال تخصصه؛ تكون مكارم الأخلاق هي الدليل الموثق في أوراقه ودفاتره وسلوكه؛ ليتسنى له أن يحظى بشرف الأستاذية التي تشرُف بالسلوك الأكاديمي في كل مراحل العمر؛ وحتى يظل "الملح" صالحًا مدى الدهر.. ولا يفسد!
 
وإنني أهيب بالسادة مخططي السياسة التعليمية في مصرنا المحروسة؛ أن يتم تفعيل مقررات ما قام به "مركز القياسات الدولية للتعليم التابع للمركز القومي للتعليم والاقتصاد"، والتوصية بالاهتمام بجودة مدرس المرحلة الابتدائية في الأنظمة عالية الأداء؛ ويحبذ هذا المركز الاستعانة بالأساتذة الجامعيين في الاضطلاع بمهمة التدريس في المراحل الابتدائية والإعدادية للارتفاع بمستوى العملية التعليمية والاستفادة من مجهودات "الأستاذ الأكاديمي" بكل مواصفاته العلمية والأخلاقية ـ كما سبق وأوضحنا ـ لتخريج جيل جديد يعتمد على استقاء كل جديد من منابعه العلمية الأصلية؛ والاعتراف بحق الأجيال الصاعدة بأن تحظى بجيل من الأساتذة الكبار في "الرتب الأكاديمية"؛ وهي نظرية ناجحة جدًا في العالم الغربي؛ وللأسف "يستنكف" بعض السادة الأكاديميين الاضطلاع بتلك المهمة المقدسة في قاعات الدرس للمراحل الابتدائية والثانوية.. ولكن إلى متى سيظل هذا الوضع؛ والذي يُعد بمثابة "المثلث المقلوب" في العملية التعليمة من الألف إلى الياء. 
 
إننا ننتظر استصدار القوانين المُلزمة للأستاذ الجامعي أن يكون ضمن شروط منحه التسلسل العلمي لنيل "الرتب الأكاديمية "؛ أن يضطلع بالتدريس بمراحل التعليم الأولية لمدة "سنتين" على أقل تقدير؛ أو "سنة" للتدريس بالمناطق النائية التي تحتاج إلى جهد وكفاءة الأستاذ الأكاديمي؛ ويدرج اسمه في لوحة الشرف التي توزع كل عام على المناطق التعليمية كافة. 
 
إن الرئيس عبدالفتاح السيسي يهيب دومًا برواد العلم والعلماء؛ بالمسارعة للمشاركة في تحقيق السمو والارتفاع بالعملية التعليمية لصالح المشروعات القومية التي بدأت في عهده؛ لتعويض سنوات التوقف عن تشييد المشروعات العملاقة.. والدور على الاعتماد على سواعد أبناء مصر الشرفاء في بناء ونهضة الجمهورية الجديدة؛ ولنبدأ على بركة الله عامًا دراسيًا جديدًا؛ نحصد في آخره ثمار الجهد والعرق فالمنظومة التعليمية بكل أضلاعها هي قبلة التقدم والرفعة. 
 
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب مصر

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة