آراء

د. شيرين الملواني تكتب: وداعًا "سي"...

25-10-2021 | 15:15

في بيان رسمي أعلنت منظمة الصحة العالمية مصر دولة خالية من (ڤيروس سي)؛ كأول دولة في العالم تستطيع القضاء على الڤيروسات الكبدية، عند قراءتي لهذا الخبر مرت أمامي ذكريات مرضى أقارب وأصدقاء ومعارف شهدتهم طوال مسيرتي المهنية، وكنت جزءًا من دورة حياتهم العلاجية، وأول من اطلع على شهادات وتحاليل اكتشافهم الإصابة بالڤيروس اللعين؛ فعند إخبار المريض بلفظ (positive)؛ تبدأ رحلة العذاب والانهيار النفسي والجسدي ليقينه التام بدنو الأجل.

 
وتبدأ رحلته باضطرابات في وظائف الكبد تجعله طريح الفراش لأسابيع وسط أدوية لا حصر لها من مُكملات غذائية ومسكنات فقط، إلى المرحلة التالية وهي التليف البطيء للكبد؛ حيث تموت خلايا الغُدة بالتدريج ويتحول معها المريض لهيكلٍ واهن انتظارًا لتوقف الكبد عن العمل أو ترقبًا لسرعة انتشار الخلايا السرطانية، والنهاية في الحالتين حتمْية.
 
كانت مصر أعلى دولة في مُعدلات الإصابة بهذا الڤيروس على مستوى العالم بالتوازي مع الصين؛ لغياب ثقافة الوقاية في تعاطي الحقن ونقل الدم ولجهل غالبية المرضى بحقيقة إصابتهم به؛ مما أسهم في انتشاره بين المحيطين من أفراد الأسرة الواحدة أو زملاء العمل، ولا يكتشفه المصاب إلا في مراحله المتأخرة؛ كظهور أعراض مرضية على جسده أو بالصدفة عند تقدمه لوظيفة داخل أو خارج مصر تستلزم هذا الكشف؛ مما يُشكل صدمة تهديد لمورد الرزق، بالإضافة لأعباء ثقيلة في بروتوكول العلاج طوال السنوات الماضية لا يقوى عليها سوى المُقتدر ماديًا. 
 
إلى أن ظهر العقار السحري (السوڤالدي) منذ فترة كأول علاج للالتهاب الكبدي الفيروسي (سي)، وسط أمل جديد للمرضى سرعان ما انطفأ؛ عند علمنا نحن العاملين في سوق الدواء أن الدواء مستورد، ولم تأخذ مصر حقوق تصنيعه؛ مما يستلزم الحصول عليه بطرق التهريب غير المشروعة وبسعر خيالي.
 
وجاءت مُبادرة القيادة بحملة (100 مليون صحة) وظن الجميع قصْرها على أمراض السمنة والضغط والسكري والكشف المبكر لسرطان الثدي، وشككت الغالبية في نجاحها في تفعيل منظومة علاج ڤيروس سي؛ وإذ بنا نجد معجزة حقيقية تحدث بتطبيق القانون المصري في حماية الملكية الفكرية وتصنيع الدواء محليًا مع فتح باب التسجيل للأدوية المماثلة له في الكفاءة من مُنطلق مبدأ بناء الإنسان المصري الحقيقي وبعمل جدي على أرض الواقع؛ قامت الوزارة بفحص 60 مليون مصري وعمل تحليلات الكشف وصرف بروتوكول العلاج مجانًا من خلال منافذ وزارة الصحة والعلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، وتم تسجيل أول عقار لفيروس سي يؤخذ عن طريق الفم لمدة ثلاثة أشهر فقط بجوار (Ribavirin & Interferon) لتتحقق معجزة شفاء 95% من الحالات؛ تم متابعتهم ومتابعة جرعاتهم ومتابعة تحاليلهم وتقييم درجة شفائهم بالتسجيل في ملف لكل مواطن مريض في ظل لجنة استشارية تحدد درجة التليُف والإصابة والشفاء، مع احتياطات عز وجودها في المنظومات السابقة؛ بضمان وصول العلاج لمستحقيه وعدم تسريبه خارج الوزارة وحوكمة كاملة لآلية صرفه مع إعطاء الأريحية لشرائه لمن تستطيع من الصيدليات الخاصة بسعر أقصاه مئات الجنيهات فقط.
 
حولت مبادرة (100 مليون صحة) ڤيروس سي من مرض مُميت إلى مرض يمكن علاجه في بضعة أشهر؛ وهو ما يُعد مقدرة كبيرة على الاستثمار الفعلي في المواطن المصري.
 
ومن منطلق هذا النجاح نتعشم نحن العاملين في المنظومة الصحية في سرعة إنجاز علاج فعال لڤيروس (بي) -الأسرع في العدوى- والذى انحسر كثيراً؛ فى ظل إجراءات التوعية والوقاية التي تفرضها الدولة بدقة وصول التطعيم الخاص به للأطفال منذ الصغر ومع سرعة وصول تطعيم البالغين المصابين بمبالغ زهيدة، مع تثميننا جميعًا لمبادرة (الحقن الآمن) والتى لم تشهدها مصر طوال عهودها بتفعيل وتصنيع (الحقن ذاتية التدمير) كمصدر عدوى أساسي لڤيروس بي؛ فمن خلال إجراءات الوقاية والمصل التطعيمي وفتح مجال الكشف المبكر وتسجيل أدوية علاجية - حتى لو تكميلية - لهذا الڤيروس ومع مساهمة الدولة في خفض قيمة تحاليله؛ تنجح مصر كدولة سبَّاقة في الحفاظ على حق مواطنيها في الصحة وتقضي على شبح الڤيروسات الذى عاش به الشعب لسنواتٍ طوال؛ عندئذ يحق لنا جميعًا أن نهنئ المريض بالشفاء ونودع ( سي وبي) معًا للأبد.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. شيرين الملواني تكتب: إن تحمل عليه أَو تتركه!

تَصَدر الأسبوع الماضي القُمص (زكريا بطرس) الترينْد - مثلما طمح ويطمح دومًا - بتهجمه على رسولنا الكريم بأحط البذاءات، وبالتالي التهكُم على كل مُرسلٍ من

د. شيرين الملواني تكتب: "ديستوبيا الميتاڤرس"

صدمة لكل عاقلٍ مُدرِك في زماننا هذا؛ ما أعلنته شركة (الفيسبوك) - والتي تحول اسمها إلى (ميتا Meta) - عن أوان دخول البشرية إلى العالم الافتراضي المُخْلَق

د. شيرين الملواني تكتب: رَاقبُوهُمْ وعَاقِبُوهُْم!

يَشهَد العالم أزمة اقتصادية طاحنة شَمِلت جميع الدول بدون استثناء؛ تَجلَت في ارتفاع مُعدلات التضخم بالتوازي مع كسادٍ كبيرٍ قارب خسائر أزمة الكَساد الكُبرى

د. شيرين الملواني تكتب: "يَوم فيِّ السِّجْنِ"

طالعت مثل الغالبية العُظمى من المصريين افتتاح مجمع السجون في وادي النطرون في مشهد غريب علينا جميعًا لم نشهده من قبل في مصر ولا في منطقة الشرق الأوسط كلها،وتابعت

د. شيرين الملواني تكتب: وداعًا "سي"...

في بيان رسمي أعلنت منظمة الصحة العالمية مصر دولة خالية من (ڤيروس سي)؛ كأول دولة في العالم تستطيع القضاء على الڤيروسات الكبدية، عند قراءتي لهذا الخبر مرت

د. شيرين الملواني تكتب: لكم لقاحكم ولنا لقاحنا!

بقوة لسانهِ المعهودة واجه فضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر العالم بحقيقتهِ الظالمة فى المؤتمر السنوي لقمة الأديان المُنْعقِد فى روما مؤخرًا ؛ حين قال:(نحن

د. شيرين الملواني تكتب: جَرائم المُجتمع بين (الفودو) و(الشبو)!

المُخدرات ذلك الغول الذى يتلاعب بمُجتمعنا مُنذ سنواتٍ طوال؛تحت مُسمْيات وصور تَعاط مُختلفة باختلاف الزمان وظروفه السياسية والاجتماعية؛فشهدت بدايات الحرب

د. شيرين الملواني تكتب: في (حَانة السِت) .. قَامت "ثومة" من مَرْقدِها!

نعم؛ نفخ الإبداع الروح في جَسَد (الست أم كلثوم) فأحياها عام 2021 ، فالقلم الإبداعى بخيالهِ قادر على إحياء الموتى من رموز عاشت مُقدَّسة ومؤلَّهة ؛فلم يجرؤ

د. شيرين الملواني تكتب: الصيدلي ومِهنة المَتَاعب!

يحتفل العالم في الخامس والعشرين من سبتمبر كل عام بيوم الصيدلي العالمي؛ فالصيدلي هو صاحب تلك المهنة ذات العطاء اللا مُتناهى والداعم الدائم في أي منظومة

د. شيرين الملواني تكتب: المريض في فَخ الكُرْكُم ورِجل الأَسَد!

القضاء على تساقط الشعر من أول دهان من مُنتجنا الذى يحتوى على زيت الشطة والثوم وإليكم الكُركُومين(الكُرْكُم) فى عبوة ثمنها 360 جنيهًا فقط من أجل علاج الروماتيزم

د. شيرين الملواني تكتب: في حُجرات "شيرين سامي"..

تراءت لي العديد من التساؤلات عند قراءتي لذلك العمل الأدبى رواية (الحُجرات) للكاتبة شيرين سامي، هل المرأة بقلمها هي الأجدر بالتعبير عن أحاسيس مثيلاتها والأولى

د. شيرين الملواني تكتب: جسد المرأَة

بادئ ذي بدء لست من المُدافعين عن الدكتورة نوال السعداوى على طول الخطْ رغم احترامى لكفاحها بشأن قضايا حاربت لأجلها فى محياها علنًا كقضية الختْان وبالتأكيد

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة