آراء

كمال جاب الله يكتب: ليكن درس أفغانستان عبرة لـ حكام تايوان

25-10-2021 | 12:56

في أثناء زياراتي الأربعة لـ تايوان (2005-2011-2013-2014)، كنت أردد أمام المواطنين الصينيين هناك: "المتغطي بـ أمريكا عريان"، لتحذيرهم من التهور، بحجة حماية أمريكا لهم، ولعلهم وعوا الدرس، هم وغيرهم، بعد سقوط كابول.

 
لست مضطرًا لإثبات صحة المقولة، سالفة الذكر، في وصف الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فالأمثلة كثيرة، أشهرها، ما حدث في فيتنام، وإيران، والصومال، ولبنان، وأخيرا في أفغانستان، حيث فر الأمريكان من تلك المناطق الملتهبة والمنكوبة، مذعورين، تاركين حلفاءهم وعملاءهم لأقدارهم التعيسة في العراء.
 
لذلك، أرى أنه على التايوانيين ألا ينخدعوا، وألا يأخذوا على محمل الجد التصريحات ، التي أدلى بها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لشبكة سي إن إن يوم الخميس الماضي، ردًا على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان، في حال شنت الصين هجومًا عليها، بقوله: "إن واشنطن ملتزمة بذلك".
 
ظاهر الأمور يشير إلى أن تصريحات بايدن جادة في توجيه التهديدات للصين، وتستند إلى حق واشنطن في استخدام قانون العلاقات الخاص بتايوان، وتزويد تايبيه بالأسلحة، ودعم حقها في الدفاع الذاتي، ومعارضة أية تغييرات أحادية الجانب للوضع القائم، وهو ما يتناقض كلية مع التزامها بسياسة الصين الواحدة.
 
بايدن كان قد أكد هذه التوجهات في أغسطس الماضي، بقوله: "لدينا التزام مقدس بالبند الخامس، ويتضمن أنه في حال قيام أي أحد بغزو أو اتخاذ تحرك ضد حلفائنا في حلف الناتو، فسنرد، الأمر ذاته ينطبق على اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان".
 
مشكلة تصريحات بايدن النارية -التي تتخذ من مسألة تايوان ورقة فعالة لاحتواء تقدم الصين وتعاظمها- أنها تجد صدى في داخل الجزيرة، وبالذات، لدى فئة انفصالية قليلة العدد، تسمي نفسها "التحالف الأخضر"، يتزعمها الحزب الديمقراطي التقدمي، وتسعى باستماتة لفصل تايوان عن الصين وإعلان الاستقلال.
 
من ضمن الأوراق التي حاولت، وتحاول، الولايات المتحدة استخدامها، وفشلت، وتفشل، لاحتواء تقدم الصين وتعاظمها، مسألة شينجيانج الويجورية، ذاتية الحكم، بدعوى اضطهاد المسلمين، واحتجاز أكثر من مليون شخص، في هذه المنطقة.
 
لعل التصويت بالأغلبية (62-43) على بيان صادر عن اجتماع دولي بخصوص شينجيانج، عقدته يوم الجمعة الماضي، لجنة تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، متخصصة بحقوق الإنسان، تكون كافية للرد على الادعاءات الأمريكية المغرضة.
 
فقد صوت مندوبو 62 دولة -من بينها 14 دولة عربية وإسلامية تتقدمها مصر والإمارات والسعودية- ضد بيان يزعم انتهاك الصين لحقوق الإنسان وللمسلمين في منطقة شينجيانج الصينية، ذاتية الحكم، في حين انضمت تركيا، لقائمة الأقلية الموقعة على البيان، لأغراض ترتبط بتبني قيادتها للتنظيمات الدينية المتطرفة.
 
أيضا، فشلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استخدام ورقة هونج كونج، وبالذات، في الأشهر الأخيرة، بإثارة الفتنة، ودعم فئة انفصالية قليلة من سكان الجزيرة الصينية، المتمتعة بإدارة ذاتية، وفقا لسياسة دولة واحدة ونظامين، وعاد الهدوء للجزيرة، بعد كشف أبعاد التآمر والسعي المستميت لاحتواء تقدم الصين وتعاظمها.  
 
منذ استئناف الصين ممارسة سيادتها على هونج كونج في عام 1997، وقد شهدت بنفسي الاحتفال الأسطوري بعودتها للوطن الأم موفدا من "الأهرام"، اندمجت الجزيرة في الأسواق والفرص التنموية الصينية الهائلة، وحققت مكانة أكثر تميزا كمركز مالي دولي، وكميناء للازدهار وجنة للتسوق.
 
في الوقت نفسه، نجحت هونج كونج في التصدي لتداعيات الأزمة المالية الأسيوية عام 1998، والأزمة المالية العالمية عام 2008، وصنفتها المؤسسات الدولية كأكثر اقتصاد حرية في العالم لـ 25 سنة متتالية.
 
وتمتعت هونج كونج بدرجة عالية من الحكم الذاتي والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية المستقلة، بما في ذلك إصدار الأحكام القضائية، فضلا عن تمتع المواطنين بالحقوق والحريات والديمقراطية غير المسبوقة، بعد التخلص من الحكم الاستعماري البغيض، الذي كان يعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية.
 
عندما زرت هونج كونج في عام 1997، كان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للجزيرة حوالي 176 مليار دولار أمريكي، وفي عام 2018، بلغ 358 مليارا.
 
في عام 1997، كان احتياطي هونج كونج من النقد الأجنبي 92.8 مليار دولار أمريكي، ارتفع إلى 437.8 مليار في شهر مايو عام 2019.
 
خلال العشرين عاما الماضية، لا يزال بر الصين الرئيسي أكبر شريك تجاري لـ هونج كونج، كما أن المنطقة هي أكبر الشركاء التجاريين للوطن الأم.
 
قصدت إعطاء تفاصيل عن التطور المذهل، الذي شهدته هونج كونج، بعد استئناف الصين ممارسة سيادتها على الجزيرة، وفقا لمبدأ "دولة واحدة ذات نظامين".

وأود الاشارة هنا إلى أن هذا المبدأ يرجع لفكرة طرحها الزعيم الصيني الراحل، دنج شياو بينج، وقد نشأت الفكرة -أصلا- في مجرى تسوية مسألة تايوان، لكنها طبقت بنجاح في تسوية مسألتي هونج كونج وماكاو، وأصبحت جزءا من نظرية بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وسياسة أساسية للحكومة الصينية.

التطبيق الفعلي للمبدأ، الساري في كل من هونج كونج وماكاو، يعني اتباع النظام الاشتراكي في قوام البلاد، بينما يطبق النظام الرأسمالي في تايوان وهونج كونج وماكاو، ويتعايش هذان النظامان المختلفان، تعايشا سلميا طويلا، ويتطوران تطورًا مشتركًا دون ابتلاع أحدهما للآخر.

بسبب التدخل الأجنبي في شئون الصين الداخلية، ولأغراض باتت مفهومة للجميع هدفها احتواء تقدم الصين وتعاظمها، بالذات، من جانب الإدارات الأمريكية المتعاقبة، تتشدد فئة انفصالية قليلة في تايوان، برفض فكرة الزعيم دنج شياو بينج، بحجة أنها تمتلك مؤهلات دولة، غير معترف بها دوليا، ولديها جيش نظامي.
 
السؤال الذي ظل يراودني، طيلة زياراتي المتعددة، للمدن وللمناطق الصينية بجانبي المضيق: ماذا يراد من هذا الجيش التايواني النظامي، ومن الفتنة المدسوسة، الهادفة لمواجهة مسلحة، بين سكان صينيين، أشقاء من دم ولحم؟!

ابحث عن المستفيد، إجابة مختصرة على السؤال، ولعل ضمير حكام تايوان، المتهورين، يستفيق، ويدرك أن تايوان كانت، ولا تزال، جزءا لا يتجزأ من الصين، وأن إعادة التوحيد، سلميا، مع الوطن الأم، هو الحل إن عاجلا أو آجلا.
 
[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
كمال جاب الله يكتب: حمى تايوان تنتقل لـ قمة تقسيم العالم

من يتابع عن قرب تغطية وسائل الإعلام العالمية، يمكن أن تتسرب إلى مخيلته مشاعر مرعبة، بأن حربًا عالمية على وشك الوقوع، بين جانبي مضيق تايوان، وهو ما أستطيع

كمال جاب الله يكتب: اقتصاد اليابان ينكمش .. وفي مفترق طرق

أستكمل ما بدأته الأسبوع الماضي بخصوص المهام الشاقة، التي تواجه حكومة اليابان، لإنعاش الاقتصاد، باتباع شكل جديد للرأسمالية ، وحقن السوق - سريعًا - بما

كمال جاب الله يكتب: رأسمالية جديدة في اليابان بقيادة كيشيدا

بحكم توليه رئاسة مجلس الأبحاث، لأطول مدة في تاريخ الحزب الليبرالي الحاكم باليابان، يواجه الزعيم كيشيدا فوميو، الذي شكل حكومته الثانية يوم الأربعاء الماضي،

كمال جاب الله يكتب: وسام ياباني صادف أهله من المصريين

بعد أيام قليلة، سوف يصل للقاهرة رئيس جديد لبعثة اليابان الرسمية، هو السفير أوكاهيروشي، خلفًا للحالي، ماساكي نوكي، الذي امتدت مهمته في مصر إلى أكثر من 3

كمال جاب الله يكتب: سفيرة كوبا .. وممثل الكيان .. وسلة القمامة

انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي والميديا العالمية، بحركة مسرحية هزلية، قام بها ممثل للكيان الصهيوني، على منبر الأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضي، عندما مزق،

كمال جاب الله يكتب: ليكن درس أفغانستان عبرة لـ حكام تايوان

في أثناء زياراتي الأربعة لـ تايوان (2005-2011-2013-2014)، كنت أردد أمام المواطنين الصينيين هناك: المتغطي بـ أمريكا عريان ، لتحذيرهم من التهور، بحجة حماية

كمال جاب الله يكتب: ورقة تايوان لعب بالنار .. لماذا؟

في مقالي يوم الإثنين الماضي، ذكرت أن عودة تايوان للصين، سلميًا، هي مسألة وقت، وأمرها محسوم، بالأرقام والمنطق، وبالتاريخ والجغرافيا، إن عاجلا أو أجلا.

كمال جاب الله يكتب: هل تعود تايوان للصين قبل 2025 سلميًا؟

فرضت المشكلة التايوانية نفسها، بقوة، على خريطة الاهتمامات الدولية، خلال الأيام القليلة الماضية، وبات تاريخ عودة الجزيرة لأحضان الوطن الأم مسألة وقت.

"ديك اليابان" يفوز بحكمها

بات في حكم المؤكد أن يصوت البرلمان الياباني اليوم على تعيين السيد كيشيدا فوميو رئيسا للحكومة، عقب فوزه بزعامة الحزب الحاكم، وتتعلق الأنظار على ما سوف تسفر

كمال جاب الله يكتب: هل يفوز "الصديق كونو" بحكم اليابان؟

بعد يومين، وبالتحديد بعد غد الأربعاء 29 سبتمبر، سوف يختار الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان رئيسا جديدا له، من بين 4 مرشحين، يتقدمهم في سباق

كمال جاب الله يكتب: "تعظيم سلام" للمرأة الأفغانية

هذا العنوان كتبته نصًا على رأس موضوع مطول، تضمنه كتابي بردًا وسلامًا على أفغانستان ، الصادر في يوم 30 يونيو من العام الماضي.

كمال جاب الله يكتب: تهانينا لـ سايجون.. تعازينا لـ كابول

الأسبوع الماضي، كتبت عن الفرق بين سقوط كابول الكارثي، في أيدي الحكم الديني المتطرف، وبين تحرير سايجون البطولي، من الاحتلال الأمريكي البغيض.

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة