راديو الاهرام

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: أمة كانت في خطر

24-10-2021 | 16:46
استغرق عمل اللجنة المؤلفة من ثمانية عشر خبيرًا قرابة العامين، رفعت بعدها تقريرها المعنون (أمة في خطر: ضرورة إصلاح التعليم) لوزير التربية والتعليم الأمريكي تيريل إتش بيل، عام 1983. في خطاب الإحالة، قال رئيس اللجنة (كان هدفنا المساعدة في تحديد المشاكل التي يعاني منها التعليم الأمريكي وتقديم الحلول، وليس البحث عن كبش فداء).

 أثبت التقرير تدني التحصيل الأكاديمي، واتفق مع رأي السيد تيريل على فشل نظام التعليم في تلبية الحاجة الوطنية للقوة العاملة التنافسية، وعليه وضعت اللجنة قرابة الأربعين توصية غطت خمس محاور؛ المحتوي التعليمي، المعايير والتوقعات، عدد ساعات التدريس، العملية التعليمية، والقيادة والدعم المالي.

 وفيما انكفأت المؤسسات التعليمية على نفسها تراجع استراتيجياتها ونظمها وتسترشد بالتقرير في اتخاذ اجراءات إصلاحية ناجزة، راحت صحف بعض الدول النامية تتهكم على نظام التعليم الأمريكي، وانتفخ ذوي الياقات البيضاء أمام الكاميرات يُشيدون، ويمدحون، ويمجدون، ويقدسون نظم تعليمهم البالية، وكيف أنها أكثر تطورًا من نظيرتها. حبر على ورق. أنجزوا بالكلام ما عجزوا عنه بالعمل.

 اليوم، وبعد نحو أربعين عامًا من صدور التقرير، أصدرت إحدى المؤسسات المعنية بشئون التمويل تقريرًا عن المؤسسات الأكثر حصولاً على منح. احتلت الجامعات الأمريكية المراكز المتقدمة. في إشارة لمستوى الثقة بها وحسن إدارتها. أصول تتجاوز ميزانيات دول.

 تبلغ أصول جامعة ستانفورد حوالي 63 مليار دولار، تليها هارفارد بنحو 59 مليار دولار، ثم ييل 45 مليار دولار، وماساتشوستس 43 مليار دولار. تعظيم الأصول ليس الهدف، إنما الاستفادة بتحويلها إلى قيمة مضافة تساهم في التطور العلمي. تقترب إجمالي قيمة أصول أول مائة جامعة ومعهد من التريليون دولار.

في عام 2014، تبرع وارين بافيت، أشهر مستثمر أمريكي، بنحو 77 مليار دولار، واكتفي بمنح كل طفل من أولاده الثلاثة 2 مليار دولار. وكذلك فعل بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، مع ثروته البالغة 89 مليار دولار. أما مايكل بلومبرج، رجل الأعمال، فيخطط لاستثمار قرابة الخمسين مليار دولار في الأعمال الخيرية، وغيرهم.

 بالرجوع إلى جائزة نوبل، تستأثر الجامعات الأمريكية بالنصيب الأكبر في مجالات الكيمياء، والفيزياء، والطب، بينما تتراجع في مجالي السلام والآداب. هارفارد 165 جائزة، كامبريدج 121، وماساتشوستس 99، ثم ييل 65.

 في معرض تعقيبه على فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، قال الدكتور أحمد زويل، (لا يعكف الباحث على عمله بهدف الحصول على جائزة. الجائزة نتاج أبحاث وجهود تراكمية). لا يصح أن يعلن شخص أو مؤسسة عزمها الحصول على نوبل إرضاءً لمناخ عام. العكس صحيح، تبحث الجائزة عمن يستحقها.

منذ أسابيع قليلة فتحت المدارس والجامعات أبوابها بعد أكثر من عام دراسي كانت فيه شاشة الكمبيوتر النافذة الوحيدة على فضاء المعرفة. ذَكَرَتنا الجائحة بأولوية العلم.

 عندما اجتاح فيروس كورونا الكرة الأرضية هرع القادة إلى الباحثين في المعامل والمختبرات. تعلق الاقتصاد العالمي في قشة العلم. وسمحت الرقمنة Digitalization بفتح منصات افتراضية جمعت الفرقاء من كل فج عميق.

 العلم أولاً وأبدًا. الصراع الأمريكي الصيني في حقيقته صراع على الملكية الفكرية. خلاصة نتاج العقل البشري. درة ابداعاته في شتي المجالات. من النصوص الأدبية إلى مركبات الفضاء. يتحول الجميع إلى رقم في محصلة الناتج القومي للدولة. الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، والثورة الرقمية، جميعها عصارة أفكار علماء كان نظامهم التعليمي ذات يوم في خطر، إلى أن اقترحت لجنة متخصصين إجراءات تصحيحية دون أن يشغلها البحث عن كبش فداء.

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة