آراء

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك ( 2 – 3)

23-10-2021 | 15:49

.. استكمالا لمسيرة رجل يكاد يكون أعظم رجال عصره - كما وصفه الأمير عمر طوسون - فقد تحول خلال السنوات الخمس الأخيرة والتي أعقبت رفته وزملائه بعد حرب القرم، من معلم ورجل دولة وقائد حرب إلى فلاح ثم يقرر العمل بالتجارة وعالم المقاولات!!


وتشاء الأقدار أن يتوفى سعيد باشا 1863م ويتولى الحكم في اليوم نفسه الخديو إسماعيل، الذي زامله في بعثة الأنجال، وتفتح على الحضارة الأوروبية وذو عقل مستنير يتطلع للإصلاح والتقدم متمنيا أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، فعاد الأمل مجددا إليه ليحقق حلمه لخدمة وطنه في مختلف الميادين.
 
وبالفعل فور تولي إسماعيل الحكم استدعي على مبارك، لوظيفة مهندس في "المعية السنية "، وكلفه بمشروعه المعماري العمراني وهو إعادة تنظيم القاهرة على أحدث الأنماط العالمية حينئذ، بشق الشوارع الواسعة وإنشاء الميادين واقامة المباني والعمارات وإدخال الاشتراطات الصحية من حيث الإنارة والتهوية لكثير من الحارات والدروب. 
 
فتم إنشاء معظم الأحياء التي نعرفها الآن منها عابدين وباب اللوق وشوارع وميادين الأزبكية ومحمد على، واستحداث إضاءة شوارع القاهرة بغاز الاستصباح، وإقامة وابور المياه لتغذية سكانها بالمياه النقية بواسطة شركتي المياه والنور. وللأسف لم تتنبه أي من الحكومات المتعاقبة لإطلاق اسمه على أي من هذه الشوارع أو الميادين أو تخليده بتمثال له، سوى الشارع الذي سكنه بالحلمية.
 
كما عهد إليه بتصميم كوبري قصر النيل الذي ظل لمدة طويلة في طليعة كباري العالم، وذلك إلى اهتمامه بتعمير مدينتي الإسكندرية والسويس وشق الترع والجسور في مختلف أقاليم مصر ومنها ترعة الإبراهيمية وترعة الإسماعيلية، وإنشاء دور الدواوين بالمحافظات والمديريات وإنشاء العديد من محطات السكة الحديد وإصلاح السجون بعد أن كانت أقبية وكهوفًا مظلمة، وبناء المستشفيات بعد أن كانت في الدكاكين والاسطبلات، ومن أعماله المهمة أيضا خلال توليه وزارة الأشغال إلغاء سخرة الفلاحين واستبداله بنظام المقاولين.
 
مع بداية تنفيذه لتلك المشروعات ظهرت مشكلة فنية في القناطر الخيرية أدت إلى احتجاب المياه اللازمة لري الأراضي الواقعة على فرع دمياط، فأمر الخديوي بتعيين على مبارك ناظرًا للأشغال مع استمراره في تنفيذ تنظيم القاهرة وإعطائه صلاحيات مطلقة في إدارة القناطر الخيرية، فكان أول مصري يتولى نظارة هذا المرفق الحيوي بعد أن كان بيد الفرنسيين. وبالفعل نجح مبارك في حل مشكلة وصول المياه لفرع دمياط، وكافأه الخديوي بمنحة 300 فدان باعتباره ناظر الأشغال. كما أشرف على حفر الرياح المنوفي وعمل قناطره ومبانيه. وفي نفس الوقت كان مسئولا عن إدارة مصلحة السكة الحديد.
 
مثل علي مبارك الحكومة المصرية في المفاوضات مع شركة قناة السويس لفض النزاع حول استرجاع الأراضي الممنوحة للشركة في عقد امتياز القناة وإلغاء السخرة والترعة العذبة "ترعة الإسماعيلية".
 
وفي سنة 1876م عين وكيلا للمعارف، ومن هنا بدأ يحقق أحلامه في النهوض بالتعليم العام، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا، وبعد مهمة عمل قصيرة في باريس في إطار مشروع تنظيم القاهرة، عين وزيرا للمعارف والأشغال بجانب إدارة السكة الحديد ثم ضمت إليه وزارة الأوقاف مع احتفاظه بإدارة القناطر الخيرية. وتعتبر هذه الفترة هي العصر الذهبي لعلي مبارك وتكفي لتخليد اسمه لما بها من إصلاحات عظيمة وأعمال رائعة.
 
قال علي مبارك عن أعماله " هذه الأعمال جميعها أو أكثرها كنت أباشرأوامرها من رسومات وشروط مع المقاولين ونحو ذلك فكنت في مدة إحالة هذه الدواوين مشغولا بالمصالح الميرية وتنفيذ الأغراض الخديوية ليلا ونهارا حتى لا أرى وقتا ألتفت فيه لأحوالي الخاصة بي، ولا أدخل بيتي إلا ليلا، بل كنت في الليل أفكر فيما يفعل بالنهار".
وللحديث بقية

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان (2– 3)

تزول المدن وتندثر.. ويبقى المكان خير شاهد على تاريخها وحضارتها .. إنها عبقرية المكان كما وصفها د. جمال حمدان.

مايسة السلكاوي تكتب: حكايات من زمان (1-3)

تنفرد القاهرة عن باقي عواصم العالم، إلى جانب أنها مدينة عريقة، فإنها تجمع آثارًا لحضارات متعددة ومتنوعة، تخبرنا حجارتها وحاراتها ودروبها عن أحداث كانت

مايسة السلكاوي تكتب: استغاثة .. طابية عرابي تستغيث

على الشاطئ الشرقي من النيل، في مواجهة منطقة الجربي، وبالقرب من شاطئ رأس البر، قلعة أثرية مهمة تحكي الكثير عن تاريخ نضال المصريين منذ الحملة الفرنسية وصولًا

مايسة السلكاوي تكتب: النيل ومصر والتاريخ

منذ فجر التاريخ ونهر النيل له مكانة عظيمة في وجدان المصريين، وله تأثيره الكبير في طبيعة وسلوك الشعب المصري، في التدين الفطري ونبذ العنف والصبر والحياة

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك (3-3)

لم يكن علي مبارك معلما، ولم يعد نفسه ليكون معلما، لكنه كان دائما الأول فى الهندسة والحساب .. وما قام به للنهوض بالتعليم نابعا من تجربته الذاتية استلهمها

مايسة السلكاوي تكتب: علي باشا مبارك (1 - 3)

لا شك أن التعليم كان الركيزة الأولي للنهضة العلمية التي شهدتها مصر منتصف القرن التاسع عشر، والتي نتج عنها بزوغ أعلاما عظاما في مختلف العلوم والتخصصات،

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة