راديو الاهرام

نجلاء محفوظ تكتب: وسائل التواصل "والرغي"

23-10-2021 | 12:15

يهرب الكثيرون من الجنسين وبكل الأعمار ومن مختلف أنحاء العالم لوسائل التواصل الاجتماعي للتخلص مما يضايقهم، ولتفريغ العقول مما يجهدها وللفوز بأوقات جيدة بعيدا عن منغصات الواقع ومشاكل التعامل مع شركاء الحياة..
 
لا ننكر أهمية وضرورة التفتيش عن أي وسيلة لزيادة مساحات البراح بحياتنا مع تزايد الضغوط وتناقص مساحات "الود" والتراحم بين الناس وتراجع الاهتمام الصادق وزحف المجاملات "المصطنعة" كالورود البلاستيكية بلا رائحة وبلا روح..
 
نحذر بالوقت نفسه  من  أن وسائل التواصل أصبحت مصدرًا متناميًا لإضافة قدر من الضيق والتوتر وأحيانا الاكتئاب؛ وهذا ما أثبته الواقع وأكدته أحدث الدراسات النفسية والعلمية، ومعروف أن أي تراجع بالصحة النفسية يؤثر بالسلب على صحتنا الجسدية التي بدورها تتسبب بتناقص قدراتنا على القيام بأدوارنا بالحياة وتتسبب بالعصبية وإفساد العلاقات..
 
تتسم وسائل التواصل بقدر "هائل" من الثرثرة أو ما نطلق عليه بالعامية "الرغي".
 
الثرثرة كالملح قليل منها يفيد وكثير منها ضار؛ فالكتمان يضر بصاحبه وقليل من الثرثرة يهدئ العقل ويخرج بعض الانفعالات الضارة ويخفف الحمل عن القلب ويجعله أكثر تقبلا لما يضايقه وأكثر رغبة بتجاهل ما لا يستطيع تغييره، بينما الكبت يجعله يضخم الصغائر ويؤذي نفسه..
 
تنقسم الثرثرة على وسائل التواصل لأنواع؛ فمنها من يتفاخرون بما لديهم لإغاظة" البعض ثم يتباكون لتعرضهم للحسد!!
 
وهناك من يدعي بطولات لم يفعلها لتعويض شعوره بالنقص؛ ولا يضر نفسه فقط؛ لأنه يحصل على شعور "زائف" بالتحقق يمنعه من فعل ما يفيده ولكنه يتسبب بإحباط الآخرين أيضا.
 
من الثرثرة ما يتسبب بإيذاء البعض من خلال "إدمان" نشر وصفات طبية مغلوطة دون التأكد من صحتها "ويتلقفها" البعض بلهفة؛ فالمريض كالغريق يبحث عن إبرة بكومة قش، ولا يدرك الكثيرون ممن ينشرون هذه المعلومات أو ممن "يسارعون" بتنفيذها بكم الضرر الذي سيحدث.
 
والحل يتلخص بالتأكد من صحة أي معلومة طبية قبل نشرها وبالطبع قبل تنفيذها أو نصح الآخرين بها..
 
يجب نفس الشيء  فعله قبل نشر المعلومات الدينية والعلمية وآية أخبار؛ فما أكثر المعلومات المغلوطة التي "تستبيح" عقولنا بوسائل التواصل والتي يرددها البعض بثقة "عجيبة" ويرفضون مناقشتها أو التراجع عنها وكأن من ينبههم بذلك يصيب "كرامتهم" بمقتل!!
 
 وذلك من "أفات" الثرثرة على وسائل التواصل التي "توهم" البعض بأنهم احتلوا مكانة مميزة؛ فيتعالى بعضهم على من يشاركونهم الحياة ويتهمونهم بأنهم لا يحسنون تقديرهم!! 
 
ويتجاهلون "بكامل" إرادتهم أن العلاقات على وسائل التواصل في غالبيتها العظمى مزيفة؛ كالفارق بين من يهديك ورودا أو حلوى بالواقع ومن يهديك "صورها" على وسائل التواصل؛ فما أسهل "وأرخص" الثانية التي لا تكلف صاحبها سوى ضغطة على الجهاز "واستدعاء" كلمات جميلة جاهزة ومعلبة؛ بينما بالواقع "كل" المواقف تكلف صاحبها نفسيًا وعاطفيًا وماديًا..
 
من الثرثرة "القاتلة" على وسائل التواصل اتجاه البعض -من الجنسين- "للتعري" نفسيًا وذكر تفاصيل شديدة الخصوصية عن الحياة الشخصية لهم؛ سعيا للفلت الأنظار أو للتعاطف أو للوصول لحلول لمعاناتهم؛ والمؤكد أنهم يزيدونها تعقيدا؛ فمعظم التعليقات تتسم بالمجاملة وتعميق الشعور بالرثاء للذات لمن يكتب ولا تقدم له الحلول، أو تنصحه بنصائح غير واقعية تشعره بالعجز، وأخرى تقلل من وجعه وتضايقه وغيرها تخبره بمأسٍ مؤلمة تزيد من كآبته ولا تخفف عنها..
 
الأسوأ أنه يصبح "مكشوفًا" أمام الجميع ويُعرض نفسه للاستغلال العاطفي من السيئين -من الجنسين- ويعتاد "الجري" لوسائل التواصل كلما أصابه ما يزعجه ويقلل من قدراته على الاعتماد على النفس ويزيد من "احتياجه" النفسي للدعم الخارجي؛ وإن كان معظمه كاذبًا"، وهو أبشع ما يمكن لإنسان فعله بنفسه..
 
نكاد تسمع من يعترض: ولكنك قلت أن الكبت ضار؛ ونرد: هذا صحيح والأشد ضررا بعثرة الحياة الشخصية على الملأ؛ ونوصي بالكتابة للنفس أو تسجيل ما نريد قوله للآخرين لتهدئة النفس قبل التكلم مع أحد؛ ثم التواصل مع أحد المقربين بالواقع وليس بوسائل التواصل وتقسيم ما نريد قوله على أكثر من أحد؛ فلا نضع أسرارنا "كاملة" بيد أحد مهما وثقنا به؛ فلا نعرف ماذا سيحدث لاحقا بعلاقتنا به وأيضا كي لا نثقل عليه، والأهم أن نثرثر مع "أنفسنا" ونربت علينا بحب واحترام، ونهون  ما يؤلمنا ونتذكر المثل اللبناني الرائع: صغرها بتصغر، كبرها بتكبر".
 
لا نُعادي وسائل التواصل ولا ننكر دورها الإيجابي بالتعرف على "بعض" ما يدور بالمجتمع وبالعالم؛ ولكننا نحذر بشدة من التأثيرات الضارة للثرثرة عليها؛ فتتناثر حكايات "ساذجة" وكاذبة لحصد الإعجاب وللتعاطف، ومعظم الأسئلة على وسائل التواصل يمكن معرفة الإجابات عليها "بسهولة" من مواقع البحث..
 
 ويطرحها البعض "لقتل" الوقت وتناسي أن الوقت هو العمر؛ ولا يعني ذلك الجدية التامة "واستنفار" الطاقات للإنجازات؛ فالعقل والقلب يحتاجان للراحة وللترفيه، ومن الذكاء البحث عنهما بعيدا عن ثرثرة التواصل والتوقف عند القيل والقال "والتهافت" على إبداء الرأي في أمور لا تستحق والتصارع حولها وتناسي أن العمر "يتسرب" وعلينا الانتباه لملئه بما يفيدنا ويسعدنا ومن نحب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة