راديو الاهرام

عبدالسلام فاروق يكتب: سر الصنعة

23-10-2021 | 12:02

يقال إن السعادة هي مقياس حضاري، وإن الدول المتحضرة دول سعيدة والسبب هو الوفرة والغنى والثروة، أما الناس في دول العالم الثالث فهي تبحث عن رغيف الخبز والكساء والمأوى، ولا وقت لديها للبحث عن الضحكة والفسحة والرقصة واللعبة، لا وقت لرغيف الرفاهية المكلف.
 
فإذا سألت مغامرًا أمريكيًا عن السعادة أجابك: اذهب ونلها، أما لو سألت ناسكًا عن سر السعادة فأشار إلى قلبه وقال: ها هنا.. فأيهما على حق؟
 
هل السعادة محلها القلب رغم الفقر والعوز؟ أم أن السعادة هي ملذات الدنيا وطيباتها وزخارفها؟.. لا يعنيني أن أجيب.. ما يعنيني هو أن الحيرة في معنى مجرد كـ"السعادة"، هى ذاتها الحيرة أمام هذا التعبير الشائع: "سر الصنعة"!
 
  فما هو "سر صنعة" أى محترف؟ أكثر الأدباء والشعراء والروائيين ليست لهم كتب تشرح هذا السر، وكأنهم يتعمدون الإحجام عن هذا الأمر، أو أنهم لا يجدون ما يقولونه، لأنه بالنسبة لهم معنى غامض يصعب الإمساك به.
 
 وفى مقدمة كتابه: (اللغز وراء السطور) يقول الروائي الراحل د. أحمد خالد توفيق عن حرفة الكتابة: (إن الأمر يشبه بالضبط السؤال عن كيفية صنع الزهرة أو خلق الماء أو الندى.. الحقيقة هى أنك إما أن تولد كاتبًا أو لا تولد.. هناك مزيج سيميائي عجيب من الجينات والتربة المناسبة والبيئة والقراءة المبكرة والعقد النفسية والرغبات المحبطة، يؤدي هذا الخليط الغريب إلى أن تكون أديبًا)، ربما كان محقًا، وربما لا.
 
فلمن إذن تواجدت كليات الآداب والإعلام ومعاهد الصحافة والسيناريو؟!
 
صحيح أنها لا تؤدي بالضرورة إلى خلق أديب أو شاعر أو روائي، لكنها أنشئت في الأساس لمثل هذا الغرض، فهل فشل العلم الأكاديمي في خلق الأدباء؟
 
وإذا كان الأدباء المحترفون يتهربون دومًا من الإجابة إذا سئلوا عن "أسرار الكتابة"، فإن أقصى ما يفعلونه حينئذ هو أن يسردوا ما يشبه "السيرة الذاتية" أو "الترجمة الشخصية" عن حياتهم ومنجزاتهم! فمن باستطاعته إفشاء السر الخطير؟
 
وهل يمكن أن نتصور أن حجب "سر الصنعة" وإخفاءه أمر متعمد من جانب الأدباء؟ هل هم أنانيون بحيث لن يجيبوك أبدًا عن أسرار حرفتهم وغاية ما يفعلونه هو اللف والدوران حول الموضوع دون اختراقه؟!
 
ابن خلدون تحدث عن هذه الخصلة المنكرة التى لاحظها في سائر البلدان العربية التى زارها، وأن أصحاب الحرَف والمهارات يورِّثون مهاراتهم لأولادهم فقط دون غيرهم، فتضيع الخبرات وتندُر الكفاءات، وقد تموت بعض الحرف بموت ورثتها.
 
إن الأمر في الغرب مختلف.. لديهم ما يُعرف بالعمل الجماعى التعاونى (Team Work)، ونحن لدينا خلافات ومعارك وأحزاب وفِرق وشِلل ومذاهب وطوائف وعصبيات ومشاكل لا نهاية لها.
 
لديهم أكاديميات ومعاهد وجامعات ذات دراسة عملية حقيقية، الهدف الأول منها إعدادك لسوق العمل الأدبى والفنى، ونحن لدينا مناهج لا تغطي سوى 11% فقط من حاجة سوق العمل، باعتراف المختصين بوزارة التعليم ذاتها، ولديهم سوق مربح يستوعب إنتاج الأدباء في السينما والإذاعة والصحافة العالمية التي تباع بالدولار في سائر أنحاء المعمورة، ونحن لدينا أدباء ينفقون على أدبهم كما ينفقون على أهل بيتهم!
 
هم لديهم "صنعة حقيقية"، ونحن لدينا "سرها" المكنون الذي لم يُفَض!
 
فإذا كان الشعر لدينا قد توقفت تياراته الجامحة، وتحولت إلى برك ومستنقعات آسنة راكدة، فكيف يمكن للشعر والنثر أن يلتقيا في رباط مقدس؟!
 
إذا كنا اليوم لا نستطيع الجمع بين تيارات الفصيل الأدبي الواحد، شعرًا كان أو سردًا، فكيف نتطلع إلى تطور الأدب وازدهار الشعر وسموّ الرواية؟
 
مما يثير العجب، أن كبار الأدباء ليست لهم مؤلفات تذكر في صناعة الأدب، إلا قلة نادرة محدودة من الإصدارات لعل من آخرها وأهمها كتاب (اللغز وراء السطور) لأحمد خالد توفيق، والذي أشار في كتابه لمؤلفات أخرى كمؤلفات د. رشاد رشدي حول فنون القصة والرواية، ثَمة كتاب لـ"علي أحمد باكثير" عن فن المسرح، وعدة مؤلفات لتوفيق الحكيم حول فن المسرح وآخر عن فنون الأدب، أما المطلوب فهو كتاب لكل أديب، بل عدة كتب تغوص في أعماق أسلوبه الأدبي وزوايا اتجاهاته وأسرار حرفته، فهكذا يمكن لمذهبه الأدبي أن يستمر ويتم البناء عليه والإضافة له.
 
[email protected]                                

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة