راديو الاهرام

د. شيماء سراج عمارة: ثالوث التنمية البشرية والكلبشة المؤسسية

21-10-2021 | 14:59

تابعت مثل الكثيرين الخطوات الجادة المدعمة للتوجهات التنموية البشرية، والتي توجها إعلان إستراتيجية حقوق الإنسان، ثم تلاها استئناف إصدار تقرير التنمية البشرية بعد توقف فترة دام لعدة سنوات، ليظهر التقرير الجهود الكبيرة والسياسات التي اتبعتها الدولة المصرية بهدف تحقيق التنمية البشرية، لنلمح في الأفق ثالث تلك التوجهات التنموية البشرية وهو إدراك ضرورة التطبيق الفعلي لتكافؤ الفرص.

ولمن لا يعرف أنه من دون تكافؤ الفرص لن تتبلور حقوق الإنسان، وبدون تكافؤ الفرص لن نصل إلى التنمية البشرية المنشودة، فتكافؤ الفرص هي قضية كل مواطن يبحث عن حقوقه وتنمية موارده، ومن ثم يرتبط الأمر بالطبقات المعيشية المختلفة، كما أن تكافؤ الفرص يتسع نطاقه ليرتبط بحقوق المرأة، والرجل، والطفل، والكهل، الأصحاء منهم، ومتحدي الإعاقة باختلاف أنواعها، ومن ثم يصبح مصطلح تكافؤ الفرص مفهومًا شاملًا جامعًا لكل المواطنين باختلاف أعمارهم وأنواعهم وحالاتهم الصحية، لأستخلص من ذلك أن الأمر لا يرتبط بالمرأة فقط؛ وفقًا لما هو معتاد الحديث عنه، وما يتم في نطاقه من تركيز مؤسسي فعلي، متعمد أو غير متعمد، ليمتد إلى مختلف الفئات.

ليتضح لنا أن التركيز المؤسسي الحكومي في حد ذاته على كون مصطلح تكافؤ الفرص خاصًا بالمرأة فقط، أراه انتقاصًا من حقوق فئات مختلفة، ومغالطة مؤسسية في حق التنمية البشرية، ومن ثم يجب تصويبها، فإذا ما تم اختزال تكافؤ الفرص في قضايا المرأة فأين التكافؤ في حقوق الرجل؟ وأين التكافؤ في حقوق الطفل؟ وأين التكافؤ في حقوق الكهل؟ وأين التكافؤ في حقوق متحدي الإعاقة؟

وإذا ما نظرنا بصورة أكثر عمقًا إلى الأطر المؤسسية الحالية المعنية بتكافؤ الفرص، فسنجد أنها تتسم بـ "البعثرة المؤسسية"، ليتفرق دم تلك الأطر المؤسسية بين القبائل، البعض يعترف بها ككيان مدرج على هيكل وزارته قاصرًا دورها على المرأة فقط، والبعض ينشئها على الورق دون وجود فعلي على أرض الواقع، والغالبية تراها لا تتعدى كونها لجنة أتت أكلها أو لم تأت، لن يهم الأمر كثيرًا.

ومع تعدد الأشكال المؤسسية لوحدات تكافؤ الفرص، والتي ولدت بالأساس تعاني من تشوهات تعريفية، تحد من مهامها المؤسسية، لتقصره على مشاركة المرأة وكفى، ويا ليتها تستطيع أن تقوم حتى بهذا الدور على أكمل وجه، فقد تم تكبيلها بعدم توحيد أشكالها المؤسسية، ليتم النظر إليها تارة بكونها وحدة شرعية في أضيق الحدود، إلا أن الأغلب الأعم ينظر إليها كوحدة شرفية، لنصبح أمام نموذج جديد من العرقلة المؤسسية أستطيع أن أطلق عليه مصطلح "الكلبشة المؤسسية"، وهو النموذج الذي يحاول أن يصنع شيئًا، أو يطبق فكرًا، لكنه يصطدم بجدران مؤسسية تحد من انطلاقاته، لتعيده مصطدمًا بأرض الواقع.   

وبين هذا وذاك نجد المجلس القومي للمرأة يبذل الجهود، محاولًا جمع شتات تلك الوحدات بكل ما أوتي من صلاحيات مؤسسية، لكن تلك المحاولات في حد ذاتها، قد لا تتفق مع مهام المجلس ذاته، فالمجلس دوره الأساسي توعوي بمكانة وقضايا المرأة، ويشهد الجميع بجهوده ونجاحاته، وينضم إلى نطاق مهامه الدور التنسيقي بين المشروعات المعنية بالمرأة والتي تنفذها الوزارات المختلفة، أما أن يتم تحميله بالوزر المؤسسي لوحدات تكافؤ الفرص التابعة للوزارات والتي من المفترض أن سلطاتها تنفيذية، فهو أمر خارج نطاق مهام المجلس القومي للمرأة، وأراه يمثل عبئًا عليه، وانطلاقا من تلك النقطة تبدأ حلقات التشوه المؤسسي بتداخل الأدوار التوعوية والتنسيقية منها مع التنفيذية.

ومع اتساع نطاق وحدات تكافؤ الفرص في مختلف الوزارات والتي تبحث جاهدة عن مظلة شرعية، أستحضر أمامي بعض التجارب الدولية في ذلك الشأن، فسنجد أن هناك توجهًا عالميًا ليس بالقليل، يسعى إلى تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية للأسرة ككل، ومن ثم الانعكاس على التنمية البشرية والاقتصادية لدولهم، من خلال أطر مؤسسية تنفيذية واضحة معنية بذلك، وأسترشد في ذلك الشأن بتجربة كوريا، فسنجد أن هناك كيانًا وزاريًا كاملًا معنيًا بتكافؤ الفرص وشئون الأسرة يتعاون مع كل الوزارات التنفيذية، بالإضافة إلى مراكز وكيانات متعددة أكاديمية ومهنية مدعمة لتمكين المرأة اقتصاديًا وعلميًا وعمليًا، لتتحد الجهود صوب هدف واحد وهو الارتقاء بالمجتمع ككل من خلال التمكين الاقتصادي والعلمي والعملي والاجتماعي للمرأة، والذي ينعكس بدوره على مختلف أواصر التنمية البشرية والاقتصادية في المجتمع.

لأصل في نهاية مقالي إلى نصيحة خالصة، ألا وهي أنه إذا ما أردنا حقًا تنفيذ "ثالوث التنمية البشرية" من إستراتيجية لحقوق للإنسان، والوصول إلى التنمية البشرية المنشودة، وتطبيق تكافؤ الفرص، فعلينا أن نعيد النظر أولًا في خطوات ومهام مؤسساتنا التنفيذية المعنية بذلك، والتخلص من التابوهات، كي تتسق شعاراتنا مع أفعالنا، لنتخلى عن الفكر المؤسسي المفضل لبقاء الوضع على ما هو عليه، والبارع في استخدام أدوات "الكلبشة المؤسسية" التي ستحد حتمًا من تطلعاتنا التنموية البشرية.

نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة