راديو الاهرام

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: مشروع "مو صلاح"

20-10-2021 | 17:21

يكفي أن تتأمل بتأنٍ الصورة الأخيرة للموهوب محمد صلاح، مع الأمير البريطاني "ويليام" وقرينته "كيت" في قصر "باكنجهام"، وبعدها ضعها تحت مجهر الفحص والتحليل الدقيق والموضوعي، لتعرف وتلمس بيدك وعقلك ما بذله نجم مصر وفريق "ليفربول" المتألق من جهود مضنية ومثابرة، لكي يبلغ هذه المكانة الرفيعة والحظوة، التي جعلته يُحلق بثبات وقوة في عنان السماء، ويصبح على قدم المساواة مع النجوم الساطعة للساحرة المستديرة في العالم.
 
"مو صلاح" لم يبرز ويزداد توهجًا وألقًا كل يوم بضربة حظ، أو لأنه عضو أصيل ومخلص في شلة من الشلل التي يزخر بها الوسط الرياضي - وما أكثرها ـ والتي تحدد بدورها مَن يصعد ومَن يهبط، ومَنِ يبقى ومَن يرحل، وفقًا لأهواء وترتيبات وأمزجه المتحكمين والمسيطرين على مقاليدها، بل لكونه أجاد تخطيط وهندسة مشروع نجاح متكامل الأركان والأضلاع، ولإيمانه غير المحدود بقدراته وموهبته، واستعداده المستمر لصقلها والبناء عليها دون توقف ولا تهاون.
 
مشروع نجاح صلاح، الذي منحه ثمارًا يانعة طيبة تخلو من الشوائب، هو الذي مكنه من إظهار كل هذه الثقة والاعتزاز بالنفس، لدى تجاذبه أطراف الحديث مع "ويليام" و"كيت" بحفل جائزة "إيرث شوت"، ولا أتجاوز الحقيقة إن قلت إن الأميرين البريطانيين ـ وهما ملء الأسماع والأبصار ويحلم كثيرون بلقائهما ـ كانا في منتهى الغبطة والسعادة وهما يقفان وجهًا لوجه مع "مو" الذي أصبح مرادفًا طبيعيًا وفعالًا للسعادة والفخر وأنت في حضرته.
 
هذا المشروع الفذ والمبهر تأسس - من وجهة نظري الشخصية - على أربعة قوائم صلبة، هي إصرار وعزيمة لا تلين ولا تخفت على النجاح، ووضوح الهدف ومتطلبات تحقيقه، والتواضع الجم وتجنب فيروس الغرور القاتل، والاتساق مع الذات وعدم الانسلاخ من البيئة التي تربى ونشأ فيها بقريته "نجريج" بمحافظة الغربية، وافتخاره الدائم بها وقبلها بانتمائه لمصر.
 
بالإضافة لذلك وجد بيئة حاضنة وراعية لموهبته، وكافأته تلك البيئة على جديته ودأبه بمنحه فرصة مستحقة لإبرازها وتنميتها، ولم تعمل على وأدها والاستخفاف بها ومحاربتها بضراوة، مثلما نرى في الأوساط الرياضية وغيرها، حينما يتقدم الصفوف أنصاف الموهوبين، وفى أوقات كثيرة عديمو الموهبة والكفاءة، وهو ما يتسبب في فقدنا العديد من المواهب والعقول النيرة التي يفضل بعضها شد الرحال للخارج لتحقيق ذاته، أو يعيش في عزلة تامة عن محيطه الذي لم يُقدره حق التقدير.
 
وتضافر مع هذه الخصال الأربع صفتان شكلا - في رأيي - السر وراء التألق الدائم لـ "مو صلاح"، هما تركيزه الكامل في شئونه وأحواله وتدريباته ولياقته البدنية والذهنية، وابتعاده تمامًا عن المهاترات والمعارك الهامشية عديمة الجدوى، التي تستنزف الطاقة والتركيز، فـ"صلاح" لم يضبط يومًا ساعيًا للغمز واللمز في هذا أو ذاك، ولا فاتحًا النيران الكثيفة على لاعب، أو مدرب، أو جهة رياضية، ويحتفظ دومًا بهدوئه وابتسامته الخلابة الواثقة التي تجعله يتلمس خطواته جيدًا، ولا يقع في فخاخ دمرت وقضت على مَن سقط فيها سابقًا.
 
وبشأن ما يُثار ويُقال بين الحين والآخر في وسائل الإعلام، حول خلافاته مع زملائه في "ليفربول" وإدارة النادي فإنها كلها تكهنات وتحليلات وتسريبات قد لا تعثر على ما يعزز صحتها ومصداقيتها، فالحَكَم الفَصل يُنبع مما يصدر عنه مباشرة وليس مما تلوكه الألسنة في أحاديث المَقاهي.
 
الصفة الثانية، هي لمساته الإنسانية واقترابه منِ الجماهير والتصاقه بهم وبالناس العاديين، وحرصه على تلبية طلباتهم، خصوصًا الأطفال منهم، وله وقائع كثيرة تنشر تفاصيلها الصحافة الرياضية باستفاضة، منها على سبيل المثال لا الحصر ذهابه لمنزل مشجع صغير تعرض لإصابة، لدى محاولته اللحاق بسيارته.
 
ويقابل محمد صلاح المردود على تصرفاته وأفعاله بحب جارف من الجمهور الإنجليزي والعالمي والعربي، وتعبيرهم المتواصل عن افتتانهم بموهبته وأهدافه الخارقة غير الطبيعية أحيانًا في المباريات التي يخوضها في الدوري البريطاني وأبطال أوروبا، لذلك فإن التوهج والتألق يلازمان "مو" في غدوه ورواحه.
 
لقد تحول مشروع نجاح "مو صلاح" لنبراس يسعى الموهوبون والأكفاء للاقتداء به والسير على دربه، أملًا في بلوغ أهدافهم، لكنه في الوقت نفسه يُظهر ويؤكد للمرة المليار حتمية رعاية الموهوبين في كل المجالات، والثقة فيهم وفيما يُمكنهم صنعه، ومنِ حسن الطالع أن الدولة المصرية تفطن لذلك، وتجتهد في اكتشاف المواهب ورعايتهم واختيارهم لشغل مناصب رفيعة، غير أن الإشكالية الدائمة تنحصر في الدوائر الأدنى التي يجلس على رأس بعضها أشخاص غير أكفاء، ويخاصمون التطور والتحديث، ويقودون حربًا ضروسًا ضد كل مَن يشتمون فيه رائحة الموهبة والكفاءة، ويُعاملونهم كخطر يهدد بقاءهم على مقاعدهم الوثيرة، وكخصوم يتعين القضاء عليهم سريعًا، وخطر هؤلاء الأشخاص لو تعلمون عظيم، ويجب تقليصهم للحدود الدنيا، ووضعهم في أحجامهم الحقيقية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة