ثقافة وفنون

ألقى الضوء على التاريخ الاستعماري الألماني.. «عبد الرزاق جورنا» أصوله عربية ولا يعرفه العرب

20-10-2021 | 10:12
ألقى الضوء على التاريخ الاستعماري الألماني ;عبد الرزاق جورنا;  أصوله عربية ولا يعرفه العربعبد الرزاق جورنا
رشا عامر

رغم أنه ولد فى زنجبار، لعائلة عربية متحدرة من بلدة الديس الشرقية، وهى بلدة كبيرة فى محافظة حضرموت باليمن، ورغم أنه لا يزال يمتلك منزلا كبيرًا هناك، فإن الإعلام العربى لم يعرفه إلا بعد حصوله على جائزة نوبل فى الآداب لهذا العام 2021. 

نشأ عبد الرزاق جورنا، فى تنزانيا، وتلقى تعليمه فى بريطانيا، بعد أن لجأ إليها فى أواخر الستينيات، لكنه حضرمى الأصل من قِبل والديه. ولد جورنا فى زنجبار عام 1948، عندما كانت الجزيرة تابعة لسلطنة عمان، ثم أصبحت تحت الحماية البريطانية قبل أن يتم دمجها فى عام 1964 فى تنزانيا، ولذلك من العدل القول إنه تنزانى من أصل حضرمى، ومن العدل أيضا الاعتراف بأن الإعلام العربى منذ فوزه بنوبل، وهو يعمل على ردم الهوة المعرفية حوله، كما أنه سلط الأضواء عليه ليحوله من مجرد لاجئ إلى نبيل من النبلاء.

فى أعماله، وكذلك لقاءاته الصحفية، يلقى جورنا الضوء على التاريخ الاستعمارى الألمانى، ففى رواية «بعد الحياة» أحدث رواياته، التى نشرت فى عام 2020، يتناول تمرد "ماى ماى" وهى انتفاضة للعديد من القبائل الإفريقية فى شرق إفريقيا "الألمانية" ضد السلطات الاستعمارية بين عامى 1905 و1907، وتسببت فى وفاة أكثر من 200 ألف إفريقى خلال القتال المسلح والمجاعات، وهى تعد حلقة دموية من الاستعمار الألمانى لإفريقيا. 

وقد فوجئ الألمان بفوز عبد الرزاق جورنا، بجائزة نوبل للآداب هذا العام، حيث إنه لايزال غير معروف فى ألمانيا، ولا توجد له روايات مترجمة هناك، برغم أن أحد المواضيع المفضلة للروائى هو التاريخ الاستعمارى الألمانى، باعتباره ماضيا لا يزال غائبا عن الذاكرة الجماعية للبلد، فـ"جورنا" يقدم نظرة فريدة على تاريخ إفريقيا ونظرة متعمقة لتاريخ الاستعمار الألمانى.

نعود إلى "تنجانيقا" لنجد "يوسف" بطل رواية "الجنة" الرواية الأكثر شهرة للكاتب التنزانى، التى يصعب تصنيفها وإعلان هويتها، فهى تقف عند مفترق الطرق بين الروايات الدينية والأدبية والتاريخية، وهى مستوحاة من خليط بين أمور أخرى، من رحلة سيدنا يوسف فى القرآن وفى الكتاب المقدس، حيث قام الصبى الصغير، الذى هو من أصل عربى، الذى بيع عبدا فى بداية القرن العشرين، برحلة طويلة فى تنجانيقا، وهى منطقة اندمجت الآن فى تنزانيا، لكنها كانت آنذاك جزءا من شرق إفريقيا الألمانية فى الفترة من (1885-1919) وانتهى يوسف بالتجنيد فى صفوف العسكريين للقوات الأصلية للإمبراطورية الاستعمارية الألمانية.

تميز جورنا بالتزامه من خلال أعماله التى ابتعدت عن "الأوصاف النمطية وفتحت أعيننا على شرق إفريقيا المتنوع ثقافيًا وغير المعروف جيدًا فى أجزاء كثيرة من العالم".

ولد عبد الرزاق جورنا فى 20 ديسمبر 1948 فى زنجبار، على الجانب الشرقى من تنزانيا، وغادر بلده الأصلى فى عام 1968 لمواصلة دراسته فى بريطانيا العظمى، فى جامعة لندن قبل أن يعود إلى جامعة "كنت"، حيث حصل على الدكتوراه عام 1982، وهو معروف على الساحة الدولية بفضل أعماله التى تعود إلى «آثار الاستعمار ومصير اللاجئين ومحاولة المزج بين الثقافات والقارات، له عدة كتب منها الجنة (1994)، ذكرى المغادرة، الإعجاب بالصمت (1996) عن طريق البحر (2001) تعكس أعماله ارتباطه بإفريقيا وماضيها الاستعمارى. إنه من بين المثقفين الذين يدافعون بانتظام عن تغيير النظرة الموضوعة فى الاعتبار بأن السود الذين يأتون إلى أوروبا هم من الأشخاص المعدمين الذين جاءوا للأخذ وليس للعطاء، ولذلك فقد كرس حياته للدفاع عنهم، مؤكدا أنهم لا يأتون خاليى الوفاض أبدا، بل إنه دعا أوروبا إلى إعادة النظر إلى اللاجئين من إفريقيا باعتبارهم ثروة، فكثير من هؤلاء يأتون إلى أوروبا بدافع الضرورة، وأيضا لأن لديهم الكثير ليقدموه، فهم موهوبون، ولديهم طاقات مدفونة.

فى مقال نشرته صحيفة الجارديان البريطانية فى عام 2004، أوضح عبد الرزاق أنه بدأ الكتابة فى سن الحادية والعشرين، أى بعد وقت قصير من انتقاله إلى إنجلترا، وقال إنه "سقط" فى الكتابة، دون أن يخطط لها، فقد بدأ الكتابة بشكل عرضى دون أدنى فكرة عن الموضوع ودون التخطيط لذلك، لكن الرغبة فى قول المزيد هى التى دفعته للكتابة.

وفى مقابلة أخرى أجريت معه فى فرانكفورت عام 2016، أعلن أنه يريد فقط أن يكتب بأقصى قدر ممكن لإظهار الحقيقة، ولكى يحاول أن يقول شيئا نبيلا، فرواياته الثلاث الأولى، ذاكرة المغادرة (1987) طريق الحجاج (1988) ودوتى (1990) تثير تجربة المهاجرين فى المجتمع البريطانى المعاصر. 

تدور أحداث روايته الرابعة "الجنة" (1994)، فى شرق إفريقيا الاستعمارى خلال الحرب العالمية الأولى، واختيرت لجائزة بوكر البريطانية، أما روايته الإعجاب الصامت (1996) فتحكى قصة شاب يترك زنجبار ويهاجر إلى إنجلترا، حيث يتزوج ويصبح مدرسا ولدى العودة إلى وطنه بعد 20 عاما يتأزم نفسيا وتسوء علاقته مع زوجته.

يلاحظ القارئ لأعمال جورنا أنها تهيمن عليها مسائل الهوية والتشرد، وكيف تتشكل الشخصية من خلال إرث الاستعمار والعبودية، حيث تستند قصصه جميعها إلى الأثر المدمر للهجرة فى سياق جغرافى واجتماعى جديد على هوية شخصيته.

تعد أعمال جورنا متجذرة فى التاريخ الاستعمارى للشرق الإفريقى، فهى تسرق الأساطير السواحلية وتخدمها بلغة ساحرة متنقلة بين أول الحكاية واستكشاف آلام المنفى، والتأمل فى الحالة الإنسانية، فمن وجهة نظر جورنا، فإن السفر بعيدا عن المنزل يوفر المسافة، فضلا عن كسب درجة من السعة والتحرر، وهذا يجعل الذكريات أكثر كثافة، وهى المناطق الداخلية والحقيقية للكاتب، فرواياته ما هى إلا تجسيد للحقبة الاستعمارية وما بعد الاستعمار فى شرق إفريقيا وعذابات اللاجئين المحاصرين بين عالمين، تلك الحالة التى تكشف التفاعلات البشرية وما يمر به الناس عندما يعيدون بناء حياتهم.

وإذا كانت اللغة الأم لـ "جورنا" هى السواحلية، فقد تعلم اللغة الإنجليزية فى أرخبيل المحيط الهندى، وهى محمية بريطانية قبل ارتباطها بتنزانيا، وعلى الرغم من أنه يكتب باللغة الإنجليزية، فإنه يحافظ على روابط قوية مع موطنه الأم، وهى روابط تغذى عمله، وليس أدل على ذلك من أن أول جملة قالها بعد فوزه بنوبل "أنا من زنجبار ولا يوجد أى لبس فى ذهنى بشأن هذا".

لا ينفى جورنا، المقيم منذ نصف قرن فى المملكة المتحدة، أن العنصرية قد تضاءلت هناك، لكنه لا يستنكف أن يعلن أن مؤسسات البلاد لا تزال "استبدادية" مستشهدا بفضيحة "Windrush" بشأن معاملة الآلاف من المهاجرين الكاريبيين الوافدين قانونيا إلى المملكة المتحدة بين عامى 1948 و1971، لكنهم محرومون من حقوقهم لعدم وجود الوثائق اللازمة، كما انتقد الكاتب سياسات دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا، التى لم تنظر فى وجه تاريخها الاستعمارى أبدا، كما انتقد الخط المتشدد للحكومات الأوروبية بشأن الهجرة من إفريقيا والشرق الأوسط، معتبراً ذلك قاسياً وغير منطقى، ولا يقوم على أى أساس أخلاقى أو عقلانى ذلك أن الناس لا يأتون بشىء سوى شبابهم وطاقتهم وإمكاناتهم.

نشر الكاتب عشر روايات ومجموعة من القصص القصيرة، تتناول جميعها نقطة التحول فى حياة اللاجئين، من خلال نصوصه، يتساءل عن «الفجوة الثقافية والجغرافية، بين الحياة الماضية والحياة الجديدة» وهى حالة من انعدام الأمن لا يمكن حلها أبدًا.

وصفت الصحف الأدبية الفرنسية عام 2007، روايته «بالقرب من البحر» التى فازت آنذاك بجائزة أدبية فرنسية بأن القارئ لا يستطيع التنفس خشية أن يفوته شىء من فرط جمال الرواية، التى يدور موضوعها حول المنفى الجغرافى والداخلى، فهى فى الأساس رواية فقدان الهوية، واستعادة الكرامة، وذكريات السجن التى لا تطاق، والخيانة والانتقام، التى تأسرها كتابة انسيابية وأنيقة وحكاية ممتدة دائمًا على حبل الواقعية والخيال، حيث يمكن لجميع المهاجرين والقراء أيضا أن يجدوا أنفسهم.

الروائى التنزانى عبد الرزاق جورنا، هو ثانى كاتب إفريقى أسود يحصل على جائزة نوبل للآداب بعد النيجيرى سوينكا، فى عام 1986، وثانى روائى مسلم بعد نجيب محفوظ عام 1988.

 

نقلاً عن الأهرام العربي
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة