راديو الاهرام

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

19-10-2021 | 14:16

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون والآداب في حياة الشعوب؛ والقدرة على تغيير الواقع فى المجتمع إلى الأجمل. 
 
وها نحن بكل الحزن نقوم بوداع الفارس النبيل أ.د. فوزي فهمي نرثيه بقلوبنا المحبة قبل أن نقرأ رثاءات أخرى تصدرتها وزارة الثقافة المصرية وكبار مسئوليها؛ وبعيدًا عن الرسميات لمست مدى الحزن الذي سيطر على الفنانة الدكتورة إيناس عبدالدايم حين توجهت إليها بواجب العزاء في فقيد الثقافة فبادرتني بقولها بكلمات تلقائية نابعة من القلب: "حزن الدنيا عليه والله كان حبيبي وقدوتي"؛ وكأنها لسان حالنا جميعًا تجاه هذا الفقد الصعب لهرم إنساني في المقام الأول، وثقافي وفكري لما يتمتع به من اقتدار السيطرة عليك وأنت تطالع تلاوين من إبداعاته: "فتصبح أسيرًا لأسلوبه خلال رحلة القراءة لنص من نصوصه المائزة دومًا، لمقدرته الشديدة على ضبط إيقاع ما يريد إيصاله لنا من مفاهيم؛ فهو يشرح الحاضر بإسقاطات شديدة الخصوصية ممتزجة بفلسفة الماضي، ويترك للقارئ الواعي المثقف مهمة تفكيك معادلاته الموضوعية، والوصول إلى ما وراء الدراما التي ينسجها في وقائع مؤلفاته المسرحية".

وكأنما راوده حلم كتابتها منذ تخرج من المرحلة الثانوية، فهو صاحب حياة عريضة مذ خرج إلى الحياة في أغسطس من العام 1938؛ تلك الحياة التي قضاها مؤمنًا بالحرية الفكرية؛ وراهبًا معتكفًا على مصادر الثقافة الجادة؛ لإيمانه بأنها خير زاد بديلاً عن الطعام، وكانت خطواته الأولى بالمرحلة الابتدائية بمدرسة المعهد العلمي، ويكتمل تعليمه الثانوي بمدرسة علي مبارك الثانوية الكائنة على أطراف حي الحلمية الجديدة بالقاهرة؛ وهو الحي الشعبي الذي يعطي صورة حقيقية لمفاهيم وثقافة "ابن البلد" المعجون بالجينات المصرية الأًصيلة، وكأن الفتى "فوزي فهمي" قد اتخذ من سيرة ومسيرة "علي مبارك" العلمية سلوكًا ومنهاجًا لارتشاف العلم من منابعه الأصيلة؛ وكانت انطلاقته نحو الفن والأدب بالتمهيد بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية "قسم الدراما والنقد"، ثم منحه درجة الدكتوراه في علوم المسرح سنة 1975؛ وقد توزع عطاؤه عبر مناصب فندب سنة 1978 عميدًا لمعهد النقد الفني ثم وكيلاً لوزارة الثقافة.
 
كتب للمسرح (عودة الغائب) في العام 1977، و(الفارس والأسيرة) في العام 1979، و(لعبة السلطان) في العام 1986؛ وقد اضطر في لعبة السلطان إلى اللجوء إلى الرمز والإسقاط السياسي في تحليل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكيفية إقرار العدل ومنح الحرية للبشر كافة؛ وأراد كاتبنا ومفكرنا الكبير أن يعالج صورة الحكم المستبد في عصر الرّشيد أو غيره من العصور؛ وكانت تلك المسرحية بمثابة إرهاصة للطوفان الشعبي الذي ثار على الحاكم الذي ظل قابعًا على سدة الحكم لأكثر من ثلاثين عامًا، للتدليل على قوة وتأثير الفن ـ والمسرح بخاصة ـ على الاتجاهات السياسية في بلدان العالم الثالث.

وجدير بالذكر ما أوردته في مقال سابق لي عنه أنه استطاع باجتهاده الشخصي إنشاء المعهد العالي لفنون الطفل بأكاديمية الفنون ؛ "لإيمانه بأن مصر البشر هى أهم عنصر فى بناء هذا البلد العظيم، وتبدأ رفعته من إعلاء ثقافة الطفل وإيقاظ وعيه السياسي مبكرًا، ومن هذا المنطلق يعزى إليه الفضل في ترجمة العديد من الكتب المتخصصة للأطفال، ليتولى عن جدارة مكانته كرئيس للمركز القومي لثقافة الطفل المصري حينذاك؛ ويمهد السبيل له بكل الفنون من موسيقا ورسم ونحت، علاوة على كل فنون المسرح الذى عشقه ومنحه خلاصة فكره وعقله على مدى حياته؛ فهو الذي أخلص لأحلامه فى تنمية الإنسان المصري وتدعيم ثقافتنا المصرية من خلال التلاحم والإطلالة على معظم ثقافات العالم المتحضر؛ فقام بإنشاء مركز اللغات والترجمة بالأكاديمية بغية تعليم طلاب المعاهد بها اللغات المختلفة، وقام بتدعيمه بأول مكتبة مرئية وسمعية فى كل التخصصات؛ وهو ما يحقق الثراء العلمي والمعرفي لكل الدارسين وغير الدارسين من محبي الفنون والآداب وأمدّها بكل التسجيلات النادرة من شتى بقاع العالم."، ناهيك عن إنشاء الحديقة الثقافية بالحوض المرصود بحي السيدة زينب منارة ثقافية للطفل المصري.
 
والجدير بالذكر أن المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الثانية عشرة؛ أطلق جائزة لمسابقة النقد المسرحي باسم الناقد الدكتور فوزي فهمي الرئيس الأسبق لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عبر دوراته المتوالية؛ كما قررت أيضًا في الدورة الثالثة عشرة، إطلاق جائزة البحث النقدي وقيمتها 10 آلاف جنيه مع الدرع وشهادة التقدير باسم الدكتور فوزي فهمي؛ وذلك اعترافًا بفضله وريادته المهمة في الكتابة المسرحية التي تواكب العصر وتخرج بالمسرح من عباءة ثقافة المسرح اليوناني القديمة؛ وإيجاد نسق لمسرح مصري يخضع في مقاييسه واتجاهاته وأهدافه لصالح المجتمع والبشر على الخريطة المصرية، ويبدو أن الكتابة للمسرح السياسي قد سببت له بعض المشاكل في الصدام مع بعض الأجهزة الحكومية "الملكية أكثر من الملك"؛ فكانت "لعبة السلطان" هي آخر ماكتبه له.

وقد أصدر المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية كتابًا توثيقيًا عن أستاذ الأجيال الدكتور فوزى فهمى ملحقًا به ملف صور وCD يستعرض أهم المشاهد والمونولوجات لأبطال مسرحياته من نجوم المسرح القومي، مثل الفنان محمود ياسين ونور الشريف وإلهام شاهين وعايدة عبدالعزيز وعبدالرحمن أبوزهرة ومحمد وفيق من خلال تلك المسرحيات.

ويتوالى الاعتراف بالفضل الكبير لعالمنا الجليل في لفتة رائعة فيما أعلنه رئيس مهرجان المسرح التجريبي هذا العام الدكتور جمال ياقوت في دورته الـ 28، إطلاق اسم الراحل القدير د. فوزي فهمي على الدورة الحالية من المهرجان تكريمًا لعطائه للمهرجان وللحركة المسرحية، بالإضافة إلى إصدار كتاب عن الراحل الكبير ضمن فعالياته هذا العام، يتضمن مسيرته الحافلة في المجال.

إنها بحق خسارة فادحة للساحة الثقافية المصرية؛ في فقدان العلامة صاحب العطاءات في شتى فروع المعرفة والعلم والثقافة الجادة والعديد من أشكال الكتابة الأدبية والنقدية والفكرية والمسرحية؛ ممسكًا بحنكته بدفة الإدارة والريادة والعمادة للعديد من المعاهد الفنية، والهيئة العامة لقصور الثقافة بطول خريطة الوطن المصري؛ وصولاً إلى رئاسته لأكاديمية الفنون؛ وهي الصرح العملاق في الشرق الأوسط الذي يتولى التأثير والريادة للساحة الثقافية العربية بوجه عام، واضعًا حجر الأساس لجمع وتوثيق كل المأثورات في التراث الشعبي المصري والعربي حفاظًا عليه من الضياع؛ وليكون للأجيال الحالية والقادمة مصدر مهم لتاريخ الحياة الثقافية في كل الأحقاب الزمنية.

ننتظر أن تمتد يد الاحتفاء بمسيرة الدكتور فوزي فهمي بأن تضاء خشبة المسرح بإعادة عرض أعماله برؤى جديدة تكريمًا له؛ وأن يتدفق الاهتمام به لما بعد انفعالات لحظة الفراق لتتفتق عن استيلاد أفكار جديدة لتكريم هذا العالم حتى لا يطويه النسيان ونعطي للأجيال الصاعدة درسًا في الوفاء تجاه من علمنا حرفًا.. بل أبجدية كاملة مكتملة!
 
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد الكتاب

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة