راديو الاهرام

محطة أخيرة للقرون الستة

19-10-2021 | 15:24

قدر الإقليم العربي أن يكون جارًا للإقليم الأوروبي، وشريكًا في المتوسط، الشاهد على الصراعات الدموية، وقيام وانهيار الإمبراطوريات العظمى، وقدر الإقليم العربي أنه أرض الديانات السماوية، والوريث الشرعي لحضارات كبرى لم تبح بكل أسرارها إلى الآن.
 
التصادم والتلاطم التاريخي ترك آثاره العميقة على الطرفين، وخلف ظلالا من الشك، ولما كانت أوروبا تقدمت بأميال هائلة، احتكرت المعرفة، ومنعت تصديرها إلى ما يخدم مصالحها المباشرة، ولا تزال وفية لهذه الفكرة، فمن خلاله هذا الوفاء استطاعت أن تحتل قمة السياسة الدولية على مدى ستة قرون.
 
وحان الوقت أن يحدث تغيير عميق فى المسار السياسى بين أوروبا والإقليم العربي، مسار من الندية، وليس مسار القاضى والجلاد أصحاب الحكمة الوحيدين، وثقافة السوبرمان المعتمدة في التفريق بين التحديث والتخلف.
 
بالفعل والواقع، كانت القرون الستة الماضية أوروبية تمامًا، استطاعت خلالها أوروبا أن تهيمن على أركان الأرض الأربعة، من خلال مغامرة الكشوف الجغرافية بداية من القرن الخامس عشر، كانت الدوافع دينية وسياسية واقتصادية، بهدف التوسع والسيطرة، والهيمنة على أراض جديدة.
 
نجحت حركة الكشوف الجغرافية فى اكتشاف قارات غير معروفة، دفع السكان المحليون ثمنًا باهظًا لهذه المغامرة الأوروبية، وصل إلى حد الاختفاء لبعض السلالات البشرية، وإلى حد اختفاء حضارات قديمة بالكامل.
 
جربوا ذلك في كل مكان ذهب إليه المكتشفون، ولا نزال نعيش حالة القرون الستة من خلال بقاء أوروبا قوة وحيدة تخطط الخرائط، وتشرّع القوانين، وتقرر أسماء الدول أو طمسها متى شاءت.
 
دون تفاصيل، فقد انفجرت أوروبا بعصر النهضة، والخروج من ظلمات القرون الوسطى، وذهبت بعيدًا بإرسال مبعوثيها، من رحالة ومستكشفين ودارسين إلى أماكن غير معروفة إلى شعوب، كانت بينها وبين أوروبا حروب تعود إلى زمن الإغريق والرومان ثم حروب القرون الوسطى الدينية الخطيرة، وقد تسببت فى مصرع ملايين الناس.
نجحت أوروبا في النهضة والتنوير، وصلت إلى ذروتها في الاختراعات والاكتشافات، والنظريات العلمية وصولا إلى العصر الصناعى العظيم، والهيمنة المطلقة على الفكر والفلسفة والثقافة وتشريع القوانين، وصولا إلى اختراع الثورات والحروب فى داخلها وخارجها، فانتشرت ثقافة أوروبية اجتماعية وثقافية وفكرية حول الدنيا، ولم ينج أى شعب من تأثيراتها العميقة، وصولا إلى عصر الاستعمار الصريح فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، ووصل إلى ذروته بوقوع حربين عالميتين ضاريتين فى غضون عقدين، كان نتيجة هاتين الحربين أن انتقلت مراكز القوى إلى الأراضى الجديدة فى الولايات المتحدة الأمريكية، والقديمة فى روسيا والصين واليابان، فيما عرف بتحالف المنتصرين.
 
تحالف المنتصرين خاض حروبًا صغيرة، وبضع غزوات، وأنشأ مؤسسات دولية كعصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، كأدوات مساعدة لضبط المجتمع الدولى على مقياس محدد، ولا يزال هذا المقياس صالحًا لهم، رغم انتهاء عصر الكشوف الجغرافية، وتلاشي عصر الاستعمار، وفشل صناعة الثورات، وفشل احتكار المعرفة، وهندسة المجتمعات، وصولا إلى تفكيك الفكرة المركزية الأوروبية، والدليل هو ما فعلته بريطانيا عندما خرجت من الاتحاد الأوروبى باتفاق البريكست، والسطو على اتفاق فرنسا – أستراليا في مسألة الغواصات النووية.

دول الإقليم العربى، وفى القلب منها الدولة المصرية، قاعدة الإقليم، ونواته الصلبة، مطالبة بأن تنظر إلى ما كان بإمعان، وإلى ما هو آت بعين ثاقبة، وتتصور أن حركة التاريخ تمضى إلى الأمام، ولا يجوز استنساخها، كما جرى في القرون الستة الماضية.

نقلاً عن الأهرام العربي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة