تحقيقات

بديلًا عن مراكب الموت.. أكثر من 8 ملايين مصري يختارون الهجرة الداخلية

17-10-2021 | 18:07
بديلًا عن مراكب الموت أكثر من  ملايين مصري يختارون الهجرة الداخليةصورة تعبيرية
محمد فتحي حرب

11 قتيلا و59 مفقودا.. هذه حصيلة غرق مركب هجرة غير شرعية منذ أيام كان متجها من ليبيا إلى إيطاليا، وكان بالنسبة لبعض شباب قرية تلبانة بالمنصورة حلما تحول إلى سراب، وتؤكد تلك الحادثة أن الهجرة غير الشرعية مازالت هدفا للبعض من أجل البحث عن فرص عمل، ولكن هناك أكثر من 8 ملايين مواطن وجدوا الحل في طريقة أخرى من أجل لقمة العيش، وذلك من خلال الهجرة الداخلية، والتنقل من محافظة لأخرى بحثا عن فرص عمل، بدلا من الغرق في مراكب الموت، ونتعرف على حكايات وتجارب بعضهم في التحقيق التالي.

8.1 مليون مهاجر

كشفت دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن بيانات الحركة الجغرافية للسكان بين الحضر والريف خلال العشر سنوات السابقة لتعداد 2017، وأكدت أن إجمالي الهجرة الداخلية على مستوى الجمهورية بلغ حوالي 8.1 مليون مهاجر، موزعة بواقع 5 ملايين من المهاجرين انتقلوا إلى حضر المحافظة من حضر محافظة أخرى أو من حضر نفس المحافظة أو ريف محافظة أخرى أو ريف نفس المحافظة.

وكان معظم المهاجرين الذين انتقلوا من حضر المحافظة إلى حضر نفس المحافظة بنسبة 73.2% من إجمالي المهاجرين إلى الحضر، وفي المقابل كان هناك 3.3 مليون من المهاجرين الذين انتقلوا إلى ريف المحافظة من حضر محافظة أخرى أو من حضر نفس المحافظة أو من ريف محافظة أخرى أو من ريف نفس المحافظة، وكان غالبيتهم من المهاجرين الذين انتقلوا من ريف المحافظة إلى ريف نفس المحافظة حيث بلغت نسبتهم 81.4% من إجمالي المهاجرين إلى الريف.

ويوضح التوزيع النسبي للمهاجرين من ريف الجمهورية إلى حضر المحافظات والعكس، أن عدد المهاجرين إلى حضر محافظات الجمهورية حوالي 684 ألف مهاجر بنسبة 0.7% من جملة عدد المهاجرين من سكان الجمهورية، وتقاربت نسبة المهاجرين إلى حضر محافظات الوجه القبلي وحضر الوجه البحري بنسبة بلغت حوالي 41% من إجمالي المهاجرين لكل منهما، ثم تأتي بعد ذلك المحافظات الحضرية بنسبة بلغت 13.3%، بينما كانت محافظات الحدود هي أقل المحافظات التي تمت الهجرة إليها بنسبة بلغت 4,1% من إجمالي المهاجرين إلى الحضر.

وحظيت محافظة القاهرة بأكبر عدد من المهاجرين إليها على مستوى المحافظات الحضرية، حيث بلغ عدد المهاجرين إليها 58.5 ألف مهاجر بنسبة 8.6% من إجمالي المهاجرين، بينما كانت محافظة السويس أقل محافظة حضرية من حيث عدد المهاجرين إليها حيث بلغ 2.9 ألف مهاجر بنسبة بلغت 0.4% من إجمالي المهاجرين.

 وعلى مستوى محافظات الوجه البحري، فنجد أن محافظة الشرقية حظيت بأعلى عدد من المهاجرين حيث بلغ عدد المهاجرين إليها حوالي 62 ألف مهاجر بنسبة 9.1% من إجمالي المهاجرين في تعداد 2017، تليها محافظة البحيرة فقد بلغ عدد المهاجرين إليها 37.4 ألف مهاجر بنسبة تقدر بحوالي 5.5% من إجمالي المهاجرين، بينما جاءت محافظة دمياط في المركز الأخير من حيث عدد المهاجرين إليها والذي بلغ عددهم 10.3 ألف نسمة تقدر بحوالي 1.5% من إجمالي المهاجرين.

حكاية حبيشة!

" الصعيدي يشتغل في أي حاجة".. هذا ما صرح به أحد الشباب الصعيدي الذي يعمل في مدينة الغردقة.. تلك المدينة التي تشعر بأنها جزء من الصعيد بكثرة العمالة الوافدة من هناك..

محمد عبد الحميد أو الشهير بـ" حبيشة الصعيدي" لقرب شبهه من الممثل محمد رمضان.. الكل يعرفه في الغردقة، ويقول: أعمل في الغردقة منذ أكثر من 15 سنة، فنظرا لقرب الغردقة من محافظات الصعيد نأتي إليها للعمل، كما أنه يوجد بها الكثير من الأقارب، وكل شخص يجد عملا يجذب أقاربه، وهذا أفضل شيء في الصعايدة، فنعمل على مساعدة بعضنا، وحتى عندما كانت نسبة السياحة قليلة لم نغادر الغردقة، انتظارا لتحسن أحوالها، وهذا ما حدث مؤخرا الحمد لله، وهناك من يأت من الصعيد للعمل كسائقين أو بائعين، حتى تتوفر له فرصة أفضل في أي فندق، وأنا أعمل في السفاري وتجهيز الخيول  للسيّاح، وما أكسبه من عملي بالغردقة أرسل منه جزءا لأهلي يساعدهم على المعيشة، وقد جاءتني العديد من الفرص للهجرة خارج مصر وخصوصا في روسيا، ولكني رفضت، وخصوصا أن العديد من الروسيات عرضن عليّ الزواج وهناك من عرضت عليّ أموالا مقابل ذلك ولكني رفضت أيضا، حيث إني أرفض تماما أن أحصل على أموال من امرأة، فمن يتزوج من روسية يحصل منها على راتب شهري باليورو مثلما عُرض عليّ، ولكنه يعيش في النهاية بدون كرامة، ولكني تربيت على أن أحفظ كرامتي حتى ولو عملت بملاليم، فلا يفرق معنا ذلك.

الهروب من العاصمة

الخبرة هي المشكلة التي واجهت عمرو أحمد محمود في القاهرة بعد تخرجه من كلية الزراعة شعبة ميكنة زراعية، ولذلك لجأ لأعمال ليست من تخصصه للهروب من البطالة إلى أن قرر الرحيل عن القاهرة.. ويقول: عقب التخرج كنت أبحث عن فرصة عمل مناسبة، ولم أجد أي عمل في القاهرة لأن كل صاحب عمل يطلب الخبرة والتي لا تتوافر في شاب حديث التخرج مثلي، ولذلك أعجبتني فكرة العمل بعيدا عن العاصمة التي لم تعد توفر فرص عمل، فقررت الخروج منها، واتجهت في البداية إلى العمل في القرى السياحية في شرم الشيخ في قسم مكافحة آفات، وهو عمل ليس من تخصصي، ولكني لجأت للموافقة عليه للهروب من شبح البطالة وكبداية للعمل والتواجد في السوق، وقدمت بعدها في مشروع شرق العوينات وتم قبولي، والذي أنقذني من مكافحة الآفات، وعملت هناك أربع سنوات، ثم اتجهت إلى العمل في شركات خاصة في الورش، وبالتأكيد العمل في الشركات الخاصة يحقق عائد مادي أكبر، والعمل الحكومي فلوسه ليست كثيرة، ولكن كنت أريد أن أخدم بلدي، لأن كله مصلحة لنا جميعا، والآن أعمل في تخصصي في الميكانيكا، ومتابعة فنية ومعدات إنشاءات، وأتمنى أن استمر في هذا العمل ويكون خارج القاهرة دائما، لأني أشعر بأني أفعل شيئا له قيمة، واكتسب خبرة كبيرة جدا ستساعدني بعد ذلك في العمل في أماكن كبيرة، وأنصح الشباب الذين لا يجدون فرص عمل بالقاهرة أن يخرجوا فورا من العاصمة ويتجهون إلى الهجرة الداخلية، فالمحافظات مليئة بفرص العمل، وهذه مبادرة مني بدلا من تفكير الشباب في الهجرة غير الشرعية.

نوباديا

رمضان الأسواني شاب في العشرينات من عمره، جاء من قرية"سنقاري المالكي" التابعة لمركز نصر النوبة إلى القاهرة بحثا عن فرصة عمل، بعد أن عمل في التصوير والمجال الثقافي داخل أسوان، وأراد نقل الثقافة النوبية إلى القاهرة، فقام بإنشاء مشروع بيت ثقافي نوبي أطلق عليه اسم" نوباديا"..

حيث لاحظ أن الكثيرين لا يعرفون أشياء كثيرة عن الثقافة النوبية، ففكر في نقل نموذج مصغر للنوبة في القاهرة، وذلك من أجل الحفاظ على الهوية النوبية، وتعريف أبناء القاهرة بالنوبة، وتجميع الشباب النوبي بالقاهرة لتعلم لغة أجدادهم وحرفهم وعاداتهم، ومن يدخل المكان يشعر بأنه انتقل إلى النوبة بالفعل، من خلال الجداريات المرسوم عليها رموز الموسيقى النوبية، أو الديكورات التراثية، وتوجد مكتبة بها كتب خاصة بالأدب النوبي أو تعلم اللغة النوبية والحرف النوبية وخاصة مهارات المشغولات اليدوية النوبية، بجانب تشجيع أصحاب الحرف في النوبة على جلب أعمالهم لتسويقها بالقاهرة، ويقدم البيت الثقافي الطعام النوبي أيضا، وتقديم ندوات وجلسات تثقيفية وتعريفية عن الجزر النوبية وأفضل الأماكن السياحية النوبية، ويجذب بعض الأجانب، ويحلم رمضان بتوفير مراكز ثقافية نوبية في كل أنحاء الجمهورية.

فواعلية

في باب الشعرية بالقاهرة توجد قهوة خاصة للعمال والفواعلية، ومعظم الموجودين من محافظات الصعيد، يتجمعون في انتظار أي زبون أو مقاول يريد عمالا، ومن هؤلاء عماد عبده، والذي يقول: جئت منذ 5 سنوات من قنا، فأقاربي يعملون في القاهرة في نفس المجال، وجئت للبحث عن لقمة العيش، ونأتي كل يوم من الفجر في انتظار الفرج، وكثير من الصعايدة يأتون للقاهرة من أجل هذه المهنة، بالرغم من صعوبتها، لكن الصعيد لا يعرف البقاء بدون عمل، حتى ولو كان البديل"المرمطة" في كل المحافظات، فهي مهنة صعبة ولكني تعودت عليها، منذ أن كنت أعمل في المحاجر بالمنيا، وأتمنى أن أجد فرص عمل أفضل في بلدي بدلا من ألم هذه المهنة ووجع البعد عن الأهل.

أما أحمد عبد العال فجاء من بني سويف إلى القاهرة للعمل في مجال البناء منذ 5 سنوات.. ويقول: ليس لدينا فرص عمل كثيرة في قرى الصعيد، كما أني لست متعلما، ولذلك لم أجد سوى المجيء إلى القاهرة التي سبقني إليها عمي وأولاده، فعملت معهم في البناء، وأحصل على يومية بسيطة، ولكن يكفوني الحمد لله، فنحن لسنا طماعين، ونرضى بأي شيء إلا البقاء بدون عمل، فعيب أن نبقى عاطلين، وقد عُرض عليّ الهجرة إلى إيطاليا، ولكني خفت من الموت الذي سبقني إليه أحد أقاربي، ولذلك فالقاهرة أفضل من أي شيء والفرص فيها كثيرة.

هجرة إلى القرى!

بالرغم من أن المدينة قد تجذب الشباب للعمل بها، إلا أن هناك جزءا من الهجرة الداخلية يكون بالعكس من المدينة إلى القرى، فهناك العديد من الشباب وجد فرص كبيرة في بعض القرى فهاجروا إليها من أجل أعمالهم..

ومن هؤلاء إبراهيم شمس وزوجته نهى الطاهر، واللذان وجدا كنزا في قرية" فوه" بكفر الشيخ"، فهي قرية يحترف معظم سكّانها صناعة الكليم، وكانوا على حافّة اليأس وإهمال الصناعة، وقرر الزوجان أن يطلقا شركتهما لمساعدة القرية على الخروج من حالة الركود التي أصابت صناعتها، وإعادة إحياء فن صناعة الكليم، وبدأ إبراهيم ونهى التفكير في صناعة الكليم حين لاحـظا حجم الفجوة بين احتياج السوق إلى هذا النوع من السجّاد وبين التصميمات المعروضة والتي تفتقر إلى الحداثة والجودة.

ويؤكد إبراهيم شمس أنه وجد أن هذه الصناعة تموت، كما أن الحرفيين يتركون المهنة، واختار قرية" فوه" لتدشين مشروعه لأنها أكثر الأماكن شهرة بصناعة الكليم في مصر، ومن البحث اكتشف أن أكثر من ٩٠% من هذه الصناعة اندثرت وأكثر من ورشة أغلقت، فبدأوا العمل على إعادة هذه الصناعة التي أوشكت على الانقراض، وبدأ المشروع يحقق الأرباح، وفتح قنوات لتصدير المنتجات من خلال حضور العديد من المعارض الدولية.

ومن كفر الشيخ إلى المنيا وبالتحديد قرية" القايّات" والتي اختارها 3 شباب وهوعمر عبد المنعم ومحمد درويش وعلياء نور، والذين تخرجوا من كلية الهندسة بجامعة عين شمس، ووجدوا أن أهالي تلك القرية يقومون بحرق جريد النخيل مما يؤثر على البيئة، فقاموا بتأسيس شركة لتصميم الأثاث، والتي تعتمد على جريد النخيل في صناعة الأخشاب، ويقومون بتصدير منتجاتهم إلى أوروبا.

ويؤكد محمد درويش أن هذه الفكرة كانت مشروع تخرج حول كيفية استخدام جريد النخيل واستخراج الخشب منه، وتطور البحث وقاموا بتصميم الماكينات المستخدمة في صناعة الأخشاب من الجريد، واختاروا" القايّات" لأنها تعتبر واحدة من أفقر 100 قرية في مصر، بالرغم من امتلاكها ثروة تقدر بنحو 30 ألف نخلة، لكن الأهالي لا يستفيدون من ذلك، ويتم حرق جريد النخيل للتخلص منه، فقرروا استغلال هذا الفائض من الجريد في صناعة محلية توفر فرص عمل لأهالي القرية بمرتبات مجزية، حيث يقومون بتقطيع الجريد وصنع ألواح خشبية منه، وقاموا بتوفير ماكينات مصغرة لسيدات بالقرية، حتى يتمكنّ من العمل من منازلهن، وتوفير أرباح مجزية تساعدهن على المعيشة.

المجمعات الصناعية

وتسعى الدولة إلى الحد من الهجرة الداخلية، وذلك من خلال العديد من الطرق، ففي العام الماضي وقعت وزارة التنمية المحلية بروتوكول تعاون مع اتحاد الصناعات المصرية، لتنفيذ مبادرة" شغلك في قريتك"، لتوفير قطع الأراضي اللازمة بعدد من القرى بالمحافظات لإقامة مجمعات صناعية وإنتاجية لتنفيذ مشروعات يستفيد منها أبناء تلك القرى، ودعم وتمويل بعض المشروعات، وتذليل كافة المعوقات الخاصة بعمليات الإنشاء والتشغيل واستخراج التراخيص المطلوبة، لتحقيق التنمية المجتمعية والمستدامة في المحافظات، ودفع عجلة الاقتصاد والحد من الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن، من خلال بناء قاعدة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بالمحافظات، وزيادة إنتاجية القرى.

وهذا العام تستهدف مبادرة حياة كريمة لتطوير القرى توفير فرص عمل للشباب بالمحافظات ودعم الصناعة الوطنية، من خلال إنشاء مجمعات صناعية، لتحجيم الهجرة الداخلية، حيث يجرى تخصيص 317 موقعا لإنشاء مجمعات صناعية، وتم طرح بعض المجمعات.

ويقول المهندس علي حمزة- نائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين، ورئيس جمعية مستثمري أسيوط-: محافظات الصعيد أصبحت تمتلك عددا جيدا من المجمعات الصناعية، والتي أدت بالفعل إلى الحد من الهجرة الداخلية إلى محافظات الوجه البحري والقاهرة بحثا عن فرص عمل، أو حتى الهجرات الخارجية بطرق غير شرعية، فالقطاعات الإنتاجية نالت نصيبا كبيرا من التنمية التي قامت بها الدولة مؤخرا، هذا بجانب أهمية المدن الصناعية الجديدة، فكل ذلك يعمل على توفير فرص عمل للشباب في قراهم ومحافظاتهم، بجانب تعميق المنتج المحلي، فالمجمعات الصناعية في المحافظات كانت مهمة جدا للقضاء على البطالة، وكان من المهم جدا توزيعها على المحافظات.

نقلاً عن الشباب
تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة