راديو الاهرام

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: أمريكا و"جلجامش" .. الغرام بسرقة التاريخ

17-10-2021 | 17:48

نحن نناشدتكم على الدوام ألا تقولوا.. هذا أمر طبيعي إزاء ما يعترضكم من الأحداث كل يوم، فى زمن يسوده الاضطراب وتسيل فيه الدماء ويدين بالفوضى ويقوم الظلم والطغيان فيه مقام القانون وتفقد الإنسانية إنسانيتها.. لا ينبغي لكم أن تقولوا هذا أمر طبيعي حتى لا يستعصي شيء على التبديل والتغير، تلك هي رؤية الكاتب الألماني "برتولد بريخت" إزاء ضرورة التغيير وحتميته للمجتمع البشري منذ ستة عقود تلك التي صاغها فى أعمال كثيرة، إذ كانت هي قضيته المركزية التي ألحت عليه تفصيلاتها وخباياها حتى إنه قد قال.. علينا أن نغير العالم ثم نغير ذلك العالم المتغير.

وعلى ذلك يظل الاستسلام والخنوع والتراجع والانكماش والتضاؤل سمات بغيضة تسحق إنسانية البشر وتحول دون الوجود الفاعل وتجعلهم نهبًا للآخر الذى يستبيح تراثهم وتاريخهم وهويتهم وعقيدتهم وثقافتهم وآثارهم وهو بالفعل ما سجلته آخر مشاهد النهب الاستعماري العنيف في العراق كأبرز بؤر الشرق العربي ذات الحضارة الضاربة في العمق التاريخي، إذ مارس الأمريكيون هواياتهم الأثيرة في الابتزاز السياسي والاقتصادى والثقافي وتدمير التاريخ ونهبه فى عدوانهم الآثم على العراق، إذ دارت أعينهم وامتدت أيديهم على ملحمة جلجامش التاريخية أو ملحمة الوفاء التي يتجاوز عمرها نحو خمسة وثلاثين قرنًا، والتي تعد أقدم النصوص الأدبية والدينية في العالم، ذلك بجانب السطو الممنهج على نحو سبعة عشر ألف قطعة تراثية أخرى تعود إلى حقبة بلاد ما بين النهرين.

وقد كان لليونسكو أبرز الأثر وأقواه في إدارة معركة استرداد الملحمة ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، وهي خطوة حضارية رائدة، لكن لابد أن تتبعها خطوات دؤوبة في معالجة جرائر فنون النهب الاستعماري من وثائق ومخطوطات ونسخ قرآنية نادرة وقطع متحفية جرى تداولها في قنوات الغرب في فترات متفاوتة تاريخيًا وغير ذلك من المنمنمات والزخارف ونماذج الخط العربى.

والباحث لهذه القضية في عمومها وتفصيلاتها قد يصاب بالدهشة والذهول حين يقوم برصد كم المقتنيات العربية والإسلامية القابعة فى متاحف الغرب ومكتباته ومراكزه البحثية وصالات المزادات الكبرى التي يتبارى أثرياء العالم للاستحواذ على هامش التراث المبعثر.

لكن لماذا ظلت استباحة التاريخ بعد استباحة الأرض واغتصابها هدف أسمى لكل الدول المتآمرة على الشرق العربي؟ لعل أبسط جولة تأملية يمكن أن تدلنا على جوهر فكرة أن اغتصاب الأرض أمده الزمنى قصير مهما يطل، لكن استباحة التاريخ فهي أبدية ذلك لأصالته وعمقه ورحابته وخلوده، وهى سمات لم يغنهم عنها بريق الحاضر المعاش وإلا لما يتهافتون على انتزاعه عن أصحابه؟ نعم.. ليس إلا أن صناعة المستقبل لديهم أهون كثيرًا من اختلاق تاريخ، وكذلك لأن نوازع الكبت الحضاري تجاه الشرق لا تهدأ إلا بتجريد هذا الشرق من تاريخه أو تشويه هذا التاريخ على أقل تقدير، وهو ما يحدث دومًا مع أدنى تماس أو احتكاك تتجدد معه فرص الاستيعاب.

ولعل المفارقة الخطيرة التى تطرحها القضية أن أصحاب الحضارة المعاصرة الذين يشكلون أطياف المستقبل البشري في اللحظة الآنية لم يكن لهم هذا التاريخ بألقه وزخمه ودلالاته المعرفية، وأن من يملكون هذا التاريخ وينتمون إليه ويفاخرون به لهم بالمستقبل علاقة هامشية تابعة وليست علاقة قائدة فاصلة!! أما المفارقة الأخطر فهي أن متحف (المتروبوليتان) رغم كونه يعد من أكبر متاحف العالم ويحتوي على أغلب آثار الحضارات البشرية كالإغريقية والرومانية والفرعونية والإسلامية وغيرها، لكنه يخلو من أى أثر أمريكي يمثل هوية الأمة، وبالطبع لا يمثل ذلك أي غرابة لأن أمريكا التي تحتضن كنوز العالم وتراثه لم تستطع أن تظلها وزارة للثقافة تمثل الروح الأمريكية الواحدة، وإنما ظلت تمثل أشتاتًا من الهويات والأجناس والأعراق والثقافات.

وهو ما يؤكد وجود فارق نوعي بين أمم يرجع عمرها لآلاف القرون وأمم ناشئة لا تتجاوز مئات العقود!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. محمد حسين أبو العلا يكتب: ذاكرة الجحيم الحضاري.. تساؤلات اللحظة

إن البشرية التي نامت في حصة التاريخ لن تغير طباعها ... هكذا تتسلل كلمات وول ديورانت عابرة آفاق الزمن، لكنها لم تأخذ مسارها في الوعي الإنساني العام متحدية

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: من صعدوا للشمس ومن غاصوا في جوف الأرض!!

سنوات ضوئية تفصل بين أحوال البشر على الأرض، وأكثر من ذلك ما يفصل بين طبائع العقول في مراميها وغاياتها، فهناك عقول تحلق وأخرى تهوي، عقول لها بريق أخاذ وأخرى مطموسة

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: الديمقراطية الحائرة بين أمريكا والصين

لا تزال الديمقراطية الغربية هي الأيقونة السحرية التي يفاخرون بها باعتبارها النموذج الأمثل لأركان الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب كافة، ويحكي التاريخ كم كانت هذه الديمقراطية أداة صراع ومراوغة

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: وجه لا يغيب .. يحيى حقي في ذكراه

روح هادئة تجتاحها سكينة علوية، ونفس آمنة لأسرار الوجود، وعقل مستأنس بالحقائق يسكنه اليقين لا تقبع فيه الأوهام أو تلفه الهواجس.. انسجام وتآلف فطري يسمح بتألق الملكات.

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: عالم على مقصلة العنصرية

لم يحمل تاريخ الدولة العبرية طيلة أمده أية فضيلة يمكن أن يسجلها في الفضاء الحضاري المعاصر، ولا تستشعر الذات العبرية بخطورة هذه النقيصة الإنسانية الكبرى،

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: إثبات الثابت .. إسقاط للطموح التاريخي

تظل القضايا الكبرى في حياة الشعوب تحتل بؤرة حيوية في العقل الجمعي، وتظل أيضًا تلك القضايا المهددة للوجود تغزو هذا العقل مشعلة داخله ثورة وعي وثورة إيمان

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: سؤال المستقبل

في لحظة غرائبية انتقل التاريخ من حالة الإبداع الفردي إلى النمطية الجماعية، من حركة تطورية إلى ارتداد سحيق، من أجواء الصخب إلى كهوف الصمت، من عقيدة الاجتماع

د.محمد حسين أبوالعلا يكتب: "بوتين" والميكروسكوب النفسي

قليلة هي النماذج والأيقونات السياسية التي أخضعها العلماء لمتاهات التحليل النفسي باعتبارها ذات طابع مركب تتمحور أبعاده في معادلات متناقضة تثير الدهشة؛ لأنها

د. محمد حسين أبوالعلا يكتب: رايات الكراهية فوق الأقصى

تحول صارخ مثير مستفز عاصف لقضية الأقصى نحو منعطف خطير غير مسبوق، لكنه بالضرورة المنطقية كان يتوقع وينتظر حدوثه بين آن وآن، وماذا يمنع حدوثه وموجات التصعيد

الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة