راديو الاهرام

د. محمد مصطفى الخياط يكتب: حرب أكتوبر والطاقة

17-10-2021 | 17:28

منحت العسكرية العالمية حرب أكتوبر 1973 قدرًا كبيرًا من التقدير. عبر الجيش المصري أكبر مانع مائي. وحطم خط بارليف. وتجاوز ذكرى نكسة بدت كابوسًا مفزعًا بلا نهاية. وبقدر الإيمان جاء النصر.

 انتهت الحرب وما انتهت تداعياتها. إلقاء حجر صغير في نهر كفيل بتحريك سلسلة دوامية في محيط يتجاوز عشرة أمثال قطر الحجر، فما بالك بآثار جبل أُلقي في قلب نهر العالم.

 في توثيقه الفريد لوقائع الحرب أصدر الأستاذ محمد حسنين هيكل كتابه (أكتوبر 73 .. السلاح والسياسة)، ضَمَنَهُ من الوثائق ما استطاع إليه سبيلا، ومن التحليلات ما ربط بين السياسة والتاريخ والاجتماع.

 في معرض تعليق وزير الخارجية الأمريكي آنذاك على استخدام العرب للبترول كورقة ضغط، نقل هيكل على لسان هنري كيسنجر، (لا نستطيع أن نضغط على إسرائيل بسبب نقص إمدادات البترول، وإلا هَزَمنا أهدافنا بالسماح لسلاح البترول أن يكون مؤثرًا على موقفنا السياسي. إذ معني ذلك ببساطة أننا نسلم العرب أداة قوة ينبغي أن نأخذها من أيديهم).

 ويعلق الأستاذ موضحًا مكانة البترول فيقول (كان البنتاجون الأمريكي يعي تمامًا قوة سلاح البترول في يد العرب وبالتالي حذر الكثير من زعمائه من الانحياز الكامل لإسرائيل، وكذلك وعى الدرس كل من وزارة الطاقة والمخابرات الأمريكيتين اللتين كانت عيناهما على آبار البترول).

 كان الرئيس السادات قد أعطى الإشارة للدول العربية يوم 10 أكتوبر لإشهار سلاح البترول، فاتخذ وزراء البترول المجتمعون بمقر منظمة أوابك في الكويت قرارهم (1- تخفيض الإنتاج العربي الكلي بنسبة 5% فورًا. 2- تخفيض 5% من الإنتاج كل شهر حتى تنسحب إسرائيل إلى خطوط ما قبل 1967). ثم حملت الأنباء –والكلام ما زال للأستاذ هيكل- قرار ست دول بترولية برفع سعره بنسبة 70% - ليصبح 5,12 دولار للبرميل، بينما قررت بعض الدول العربية حظر تصدير البترول كلية إلى الدول التي يثبت تأييدها لإسرائيل بما فيها أمريكا.

 كانت رسالة بالغة القوة، وإن رفعت السعودية مستوى حدتها. استدعى الملك فيصل السفير الأمريكي في الرياض وأبلغه (أن النفط ليس أغلى من الدم العربي، وعليه قررت السعودية خفض إنتاجها 10% وليس 5%، كما قرر الوزراء العرب، وألمحَ إلى احتمال منع تصدير البترول السعودي إلى أمريكا إذا تعذر الوصول إلى نتائج سريعة ملموسة).  

 كان التأثير المعنوي لسلاح البترول كبيرًا. توترت الأسواق العالمية. وألقت ظلال نقص الإمدادات آثارها على أوربا الغربية واليابان، فضغطا على أمريكا للتحرك.

 الأمر الذي حدا بالرئيس السادات للتعليق بعد مقابلة كيسنجر في نوفمبر 1973، قائلاً (ياه.. طلع إن العملية بتاعة البترول معوراهم تعويرة سودة. هم والأوربيين.... ولما كيسنجر اتكلم معايا كان ممغوص من غرب أوربا، وقال لي إحنا مستعدين نسيبهم يتحرقوا من غير بترول، لكن بالنسبة لأمريكا الموضوع صعب قبوله).كم كان الدرس قاسيًا.

 في العام التالى مباشرة، تأسست الوكالة الدولية للطاقة بعضوية ثمانية وعشرين دولة أوروبية بالإضافة إلى أمريكا وأستراليا، بغرض تطوير وتأمين إمدادات الطاقة خلاف امتلاك حصة إستراتيجية من البترول تمكنها من مجابهة أزمة مماثلة في المستقبل.

 ولا يخفى على أحد أيضًا أن النظر في الطاقة المتجددة بعد حرب أكتوبر اكتسب قدرًا أكبر من الجدية. كانت الطاقة المائية في المقدمة ثم تجاوزتها طاقة الرياح لعقود، إلى أن اكتسح العالم تسونامي الخلايا الشمسية، لتصبح الأرخص على الإطلاق.

 كان الجميع يعلم أن الحرب سوف تنفض بعد بضعة أسابيع، لكن حرب البترول لن تتوقف تبعاتها. حفظ الله الوطن.

[email protected]

 
  •  
  •  
  •  
  •  
نقلاً عن الأهرام المسائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة