آراء

عبدالسلام فاروق يكتب: بين الشهابين

16-10-2021 | 13:07
Advertisements

عرف التراث المصري مؤرخًا شهيرًا هو (شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب النويري)، من قرية النويرة ببني سويف، وهو صاحب موسوعة (نهاية الأرب في فنون الأدب) في نحو 31 مجلدًا، وشغل التاريخ بها نحو 21 مجلدًا! كان شهاب الدين النويري من أصحاب الخطوط الجميلة، وكان يبيع النسخة المخطوطة بخط يده من كتاب البخاري بألف دينار! وكان شهاب الدين قريبًا من السلطة ودوائر صنع القرار في عهد الناصر محمد بن قلاوون، وأفاده ذلك في تنفيذ مشروعه العلمي وموسوعته الكبرى.

 عرفنا في عصرنا الحديث شهابًا آخر هو الوزير الأسبق الدكتور مفيد شهاب.. والذي نال جائزة النيل في العلوم الاجتماعية، وهي أرفع جوائز الدولة، وكان قد تلقى قبلها جوائز عديدة، كوسام الجمهورية، ووسام الفارس من إيطاليا، ووسام (ليون دونير) من فرنسا.

له من اسمه حظ
كثيرًا ما يصادف المرء مَن يوافق اسمه رسمه. وربما لهذا حض الشرع على أن نحسن اختيار أسماء أبنائنا، فهل للأسماء ترتيب قدَريّ؟ كأن يتحقق ما للاسم من مضمون ومعنى، ألم نشهد أسماءً مثل: دلال، هيفاء، معتز، كريم، تنسَبِكُ على أصحابها وتصبغهم بمعناها، حتي بين المشاهير؟ هذا يحدث بدليل أن الرجل الذي أتي يشكو للخليفة عمر بن الخطاب عقوق ولده، ثم اكتشف الخليفة أنه اختار اسمًا مذمومًا لولده يعيِّره به الناس، فقال للرجل: «عققت ولدك قبل أن يعقك». 

أهوَ إذن تأثير نفسي؟ أيكون جمال الاسم أو قبحه ذا تأثير نفسي يتراكم عبر الزمن، ربما كان هذا صحيحًا؛ خاصةً أن الناس قد يختارون لأحدهم لقبًا غير اسمه، فيشتهر باللقب دون الاسم.. ولهذا أمر النبي أن ننادي الرجل بأحب الأسماء لديه؛ كأن الشخص الواحد قد تتعدد أسماؤه، ويبيت التأثير الأكبر نفسيًا للاسم الذي اشتهر به الرجل لا ما سُمّي به!

 وسواءً كان للاسم مدلول قدري أو تأثير نفسي أو معنى رمزي، فهل كان لاسم (مفيد شهاب) أثر ملموس في حياته؟.. «مفيد» من الفائدة والنفع. و«شهاب» هو النجم اللامع في الفضاء. دعونا إذن نكتشف تأثير الاسم على حياة وزير مصر الأسبق...

مؤلفات ومنظمات
 هو مؤلف ثلاثة من أهم كتب القانون: (القانون الدولي العام)، (المنظمات الدولية)، (قانون البحار).. وهي المؤلفات التي أعدها في مقتبل حياته العلمية، قبل أن ينشغل بالسياسة ومتاعبها.

كان عضوًا بمنظمة الشباب والاتحاد الاشتراكي في عهد عبدالناصر، وهو ما منحه خبرة سياسية كافية بما أهّله لشغل مناصب أكبر فيما بعد، كمنصب رئاسة جامعة القاهرة، ومنصب وزير الدولة للشئون النيابية والبرلمانية. 
 وهو عضو بعدد من المنظمات والمؤسسات المحلية والدولية، مثل هيئة التحكيم الدولي بلاهاى، واللجنة القانونية التابعة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان.. وغيرها من المنظمات الهامة. إلا أن أهم "إفادة" غيَّرت مجرى حياة الدكتور "مفيد" عضويته لهيئة الدفاع المصرية في قضية طابا.

في طابا.. عندما سئل: ما رأيك هل نقبل حلًا وسطًا؟

 يحكي الدكتور مفيد شهاب أنه بعد أن انتهت إجراءات التحكيم في قضية طابا، قررت المحكمة رفع الجلسات لمدة ثلاثة أسابيع للمداولة، وكان هناك شعور عام بالاطمئنان لدى أعضاء هيئة الدفاع، وفي هذا الوقت تم استدعاؤهم لعقد اجتماع طارئ مع الرئيس الأسبق مبارك بحضور جميع قيادات مصر وعدد من أعضاء اللجنة القومية العليا لطابا، وقال الرئيس مبارك إن السفير الأمريكي أرسل له رسالة قال خلالها إن هناك أنباء سرية أن الحكم لن يكون لصالح مصر، واقترحوا على الإسرائيليين أن يقبلوا نوعًا من الحل الوسطي أن تكون هذه الأرض دولية مشتركة أو تنقسم لقسمين، أو يتواجد فيها المصريون مع الإسرائيليين، وأن تكون السيادة مشتركة بين الدولتين. 

كان الرئيس مبارك يتابع بشكل يومي مجريات الأمور في هذه القضية، وطلب رأي جميع الحضور بالاجتماع لتحمل المسئولية معه، غير أن أعضاء اللجنة القومية أكدوا للرئيس ثقتهم في أن الحكم سيكون لصالحهم.. واجتمع مفيد شهاب مع مبارك وشرح له بعض النقاط الفنية، وأكد له أن الموقف والأمر سوف يكون لصالح مصر، مما دفع الرئيس الأسبق، لإعلان رفض هذا الحل الوسط.. وانتظر الجميع صدور الحكم حتى صدر الحكم بأن طابا أرض مصرية.

نجم لامع في سماء السياسة

 رغم أن خطوة قضية طابا كانت قدم الحظ والسعادة والخير في حياة د. مفيد شهاب، إلا أنه كان زاهدًا متواضعًا وما زال.. فلطالما طُلبت منه العودة لدوائر الضوء وصناعة القرار، لكنه كان يعلن في كل مرة أنه قرر اعتزال السياسة، ولن يثنيه شيء عن قراره هذا، مكتفيًا بممارسة دوره العلمي والاجتماعي وهو الدور الأقوي أثرًا في حياته.

فهل ننتظر أن تحظى المكتبة التراثية بموسوعة علمية معاصرة للدكتور مفيد شهاب على غرار موسوعة (نهاية الأرب في فنون الأدب) للشهابي القديم؟ أو على الأقل أن نقرأ له مذكرات تتضمن بين دفتيها خبرته السياسية والعلمية الضخمة، ومعارفه الموسوعية؟!

[email protected] 

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
عبد السلام فاروق يكتب: العرب والغرب والثقافة

العرب هم الأقدم والأكثر عراقة ورسوخًا، تاريخيًا، من الغرب.. سبَقونا نعم، في التكنولوجيا والتقنيات والصناعات والفنون والآداب، لكن اللحاق بالركب ممكن، لا

عبدالسلام فاروق يكتب: تكنولوجيا الاقتصاد الأخضر!!

الابتكار الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم عبارة عن آلة ذات منظومة متعددة المهام تخدم عددًا كبيرًا من الأغراض التي تمس قطاعات كبيرة وحيوية كالري والزراعة

عبدالسلام فاروق يكتب: مستقبل الصحافة!

دعونا نتفق أولاً أن الصحافة الورقية تمر بأزمة كبرى وأن هذه الأزمة عالمية واسعة النطاق، لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال فندّعي أن الأزمة لا وجود لها، ولا أن نبالغ فنقول: إنها أزمة بلا حلّ

عبد السلام فاروق يكتب: "وزير أبي الهول".. يسرد قصته في ربع قرن

قرأت كتابًا مهمًا أعادني لفترة التسعينيات.. حين كنت أبدأ خطواتي الأولى في مؤسسة الأهرام، الكتاب يمثل سيرة ذاتية لأحد أهم رموز الثقافة المصرية على مدى 25 سنة كاملة

عبدالسلام فاروق يكتب: سر الصنعة

يقال إن السعادة هي مقياس حضاري، وإن الدول المتحضرة دول سعيدة والسبب هو الوفرة والغنى والثروة، أما الناس في دول العالم الثالث فهي تبحث عن رغيف الخبز والكساء

عبدالسلام فاروق يكتب: صراع الباسيفيك .. ما وراء الكواليس

اتضح أننا لا نعرف إلا أقل القليل؛ فبعد أن ظهرت وثائق ويكليكس ومن بعدها منذ أيام وثائق باندورا تأكد لنا أن عالم السياسة غارق حتى النخاع في مستنقع أسرار بعيد الغور

عبد السلام فاروق يكتب: أيام المجد والنصر

كم هي رائعة ذكري أيام المجد.. تراودني ذات المشاعر كلما هلت ذكريات البطولة والبسالة والنصر 6 أكتوبر 73، ذلك اليوم الذي اختلط فيه مسك الشهداء بدماء الأعداء،

عبدالسلام فاروق يكتب: الثقافة ألغاز وأحاجي

ينتابني الفضول كثيرًا حول ما يحدث اليوم في أروقة العمل الثقافي في صورته الكبرى والعامة حتى يدفعني الفضول لتساؤل خبيث: ماذا لو أن مؤسسات الثقافة والنخبة

عبدالسلام فاروق يكتب: الماء صديقي

شجرة الأسئلة لم تتوقف يوما عن الإنبات وقد تغطت بغمامة خضراء من علامات الاستفهام منذ أن قيلت العبارة الشهيرة على لسان سياسي أمريكي مخضرم : أن حروب المستقبل هى حروب مياه

عبدالسلام فاروق يكتب: أهلًا بالعاصمة الذكية

هنا العبقرية والجمال والراحة والروائح العطرة والمناظر الخلابة والأبراج الشاهقة والحدائق والأنهار والأنوار كأنها الجنة. إنها مصر جديدة، وعاصمة جديدة كل

عبدالسلام فاروق يكتب: أنا والتنين

زرت الصين فيما زرت من بلدان ولم يعجبني المقام فيها، بعكس مقامى فى أمريكا.. لم تكن الصين وحدها بل الهند وماليزيا وتايلاند في آسيا، وفرنسا وإيطاليا فى أوروبا،

عبد السلام فاروق يكتب: انهيار الرأسمالية .. قريب أم بعيد؟

كنت أعلم ما سيحدث ويقال قبل حتى أن أقول الكلمة أو أجاهر بها.. طالما أن سائر الموجودين، وأنا منهم، يخشون اليوم الذي قد تنهار فيه الرأسمالية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة